المشهد اليمني الأول/

– التسوية صعبة بين أميركا وإيران إلى حد الاستحالة، ليس بسبب السقوف العالية للخطابات المتبادلة، أو الشروط المتقابلة، بل لأن القضايا الحقيقيّة للصراع يصعب إيجاد تسويات فيها تمنح الفريقين المتقابلين صفة رابح ورابح، وفي قلب هذه القضايا مستقبل «إسرائيل» وأمنها، وقد بلغ المأزق الذي تعيشه «إسرائيل» مدىً يجعلها عاجزة عن تحمل تبعات أي تسوية بالمطلق تضم طهران وواشنطن لا تلتزم فيها إيران بوقف دعمها لحركات المقاومة، وتمنح «إسرائيل» عناصر أمن واطمئنان تفتقدها، وهو ما قصده وزير خارجية عمان بعد لقائه برئيس حكومة الاحتلال بأن «إسرائيل» تحتاج أن نطمئنها إلى أمنها ومستقبلها. والقصد بالـ «نحن» ليس حكام الخليج، بل طهران، وفي هذا الشأن المسألة أكبر من التسوية مع إيران فقوى المقاومة في المنطقة نمت وكبرت وتعاظمت قدراتها وثقتها بنفسها وباتت تفرض معادلات قوة وردع يصعب بل يستحيل كسرها. وبنسبة لا تقل عن «إسرائيل» يعاني حكام الخليج من تداعيات سقوط مهابتهم أمام قوى محلية يتقدمها أنصار الله في اليمن، في معادلة تتصاعد وتكبر ويصعب فيها التراجع إلى الخلف.

– الحرب بالمقابل بين أميركا وإيران أكثر من صعبة بل هي مستحيلة، لأن القدرة الأميركية على إلحاق الأذى بإيران لا نقاش فيها، وبالمقابل القدرة التي تمتلكها إيران وقوى المقاومة على إلحاق الأذى بالقوات والمصالح الأميركية في المنطقة، وبـ«إسرائيل» وبدول الخليج أكبر من قدرة واشنطن وحلفائها في الخليج و«إسرائيل» على التحمل، ونتائج الحرب انفجار مؤشرات أسعار النفط، وإقفال الأبواب أمام إمكانية قطاف سياسي للحرب، التي تعلن إيران أنها لا تسعى إليها، وباتت واشنطن تعلم أن شروط خوضها غير متاحة، ويصعب توفيرها، سواء بحجم ما تحتاج من قوى عسكرية وقدرات مالية وتحضيرات لوجستية وسياسية، وزمن وخريطة طريق، وضمان عدم التوسّع والإصابة القاتلة من الضربة الأولى، ومنع استيلاد إيران لأول قنبلة نووية في ظل الحرب، ولذلك يتصدر المشهد بعد أول اختبار لأمن النفط، التمهيد للتراجع عن التهديد.

– بالتوازي فإن الحدّ الأدنى لأي تفاهم تقدر واشنطن على المجاهرة به، ولو لم يتضمّن ما يفيد «إسرائيل» وحكومات الخليج، يتّصل بالتفاهم النووي والبرنامج الصاروخي الإيراني، وهما أمران لا تستطيع إيران التراجع فيهما، لأن القبول بإعادة وضع التفاهم النووي على الطاولة يعني الاستعداد لإلغاء التفاهم الجديد من أي رئيس جديد للتفاوض من جديد على تفاهم جديد جديد، وتمسك إيران بالتفاهم سقفاً يعني سواها من دول كبرى وقعت على التفاهم ولا يسعها القبول برسالة واشنطن التي تقول إن لا قيمة لأي قوة في العالم ولا أي توقيع ولا أي قرار، وأن الرئيس الأميركي إمبراطور العالم الجديد يملك بشطحة قلمه العريض أن يحلّ مجلس الأمن والدول الدائمة العضوية، ويجعل القرارات الدولية أقل من قيمة الحبر الذي وقعت فيه، والقبول بوضع البرنامج الصاروخي الإيراني على طاولة التفاوض يعني أن إيران ستتقبل التفاوض والتفتيش على منشآتها العسكرية كأمر واقع يلغي كل قيمة لقدراتها العسكرية ومكانتها ومهابتها وصفتها الرادعة.

– بالمقابل لا تستطيع واشنطن العودة للتفاهم النووي كما كان واعتباره إطاراً صالحاً للتفاوض، من ضمن صيغة الخمسة زائداً واحداً، التي أنتجته، كما لا تستطيع واشنطن التراجع عن العقوبات تمهيداً للتفاوض. وهذه شروط الحد الأدنى التي يمكن لإيران قبولها، لذلك تتمّ الوساطات الجدية بكل جدية لمنع التصعيد أكثر مما تأمل هذه الوساطات فتح قنوات التفاوض للتمهيد للتفاهم، والتفاوض غير المباشر الذي تقوم به سويسرا واليابان، ويمكن أن تنضم إليهما روسيا، هو تمهيد لربط النزاع وليس لصناعة الاتفاقات، وبناء عليه وضع صيغة آمنة للتساكن تحت سقف النزاع، ووضع قواعد اشتباك سياسية ومالية وعسكرية تظلل هذا التساكن الطويل، ربما حتى نهاية ولاية الرئيس الأميركي العام المقبل، بل ربما حتى نهاية عمر التفاهم النووي العام 2025، وربط النزاع وقواعد الاشتباك لا بد أن تتضمنا تفاهمات تتصل بتدفق النفط والحد المقبول من الضغط لتطبيق العقوبات، ومحاولات تسويات في اليمن وفي سورية، على قاعدة اعتماد التغاضي حيث يصعب الحصول على التراضي.
ــــــــــــــــــــــــــــ
ناصر قنديل