المشهد اليمني الأول/

مع انتشار “كورونا فيروس” حول العالم، يتساءل الجميع عن أسباب هذا المرض وطبيعته وهل هو جزء من حرب بيولوجية؟ وفي حال كان كذلك، من هو المستفيد ولماذا وكيف؟ كل ذلك يطرح بالنتيجة تساؤلات إضافية حول مسار الأمور ومستقبل الدول والشعوب. بين اعتباره أزمة صغيرة من أزمات الطبيعة أو جزءاً من الحرب البيولوجية ذات الدوافع الاقتصادية والتي تجري بين أقطاب النظام العالمي الحالي، تشترك المقاربات في دعوة الشعوب لإعادة النظر والتأمل في مستقبلها ومصيرها.

ولعل الأكثر وضوحاً هو الفشل الذريع للدول الغربية (أوروبا وأمريكا) في تعاملها مع الأزمة، مقابل دول في أمريكا اللاتينية وأخرى في الشرق والتي نجحت في إدارة الأزمة بشكل أفضل بكثير. وهو ما لا يجب مقاربته بمجرد التركيز على الإمكانات فقط بل يجب لحاظ الفساد المُخيف الذي تُعبر عنه القيم الناتجة عن النيوليبرالية والتي أثبتت أنها لا تحترم قيمة الإنسان ليس فقط لدى شعوب الدول المناهضة لها، بل حتى شعوبها. لذلك يقف العالم اليوم، أمام حقيقة هي أكبر من مجرد اعتبار ما يجري أزمة صحية عالمية، بل هو في الحقيقة تجلٍّ لغياب القيم الإنسانية عمَّن يحكمون العالم اليوم.

لذلك تحتاج شعوب العالم الى إعادة النظر بمصيرها. والتحدي الحقيقي يكمُن في كيفية التخلُّص من حُكم من يتاجرون بالبشرية عبر شركات كبرى تطال كافة المجالات من الصحة والدواء الى التكنولوجيا وتنتشر عبر القارات في الدول. خلال القرن الماضي حولت هذه الشركات العالم الى سوق تجاري كبير يحتكم لمبادئ العولمة ويتَّسق مع شعارات الديمقراطية ويقع تحت رحمة واجهة من المنظمات الدولية التي تضع المعايير. بقيت هذه الشركات تقف خلف سياسات العالم وتتحكم بمراكز القرار التي رسمت ملامح النظام العالمي في القرن العشرين ورهنته لنفوذ الرأسمالية الاقتصادية.

عبر هذه الشركات والمنظمات، أمَّن هذا النظام العالمي نفوذاً له في الدول. ولذلك نجد أن غالبية شعوب دول الشرق تعيش هيمنة النفوذ الاقتصادي على القرار السياسي. يعيش مواطنوها تحت رحمة تزاوج أهل السلطة والثروة (النخبة السياسية والاقتصادية) والتي تعرف كيف تُجيِّر مصالح الدولة لحسابها الخاص. في ظل غيابٍ للنُخب العلمية القادرة على توعية الشعب، بل لعلها انضمَّت بأغلبها الى لعبة الثروة والسلطة واستطاعت أن تحجز لنفسها مكاناً عبر شرعنتها استمرارية هذا النموذج الذي يسعى لإدارة جهل الشعوب!

اليوم، يعيش العالم أمام تحدٍ مليءٍ بالعِبَر. وينقص العالم من يستطيع تحديد ملامح مستقبل النظام العالمي الأمثل. ولعل ما يجري أدخل الشعوب في مرحلة وعي الحقائق. ليس فقط في الشرق بل في الغرب أيضاً. والجميع بات أمام مرحلةٍ مفصلية، هي مرحلة تحتاج لأن تمتلك الشعوب جرأة تقرير مصيرها.

بالنتيجة، لا بد أن يتمخَّض عما يجري مستقبلٌ يحكمه نظامٌ من القيم الإنسانية التي تحفظ الإنسان وبالتالي البشرية جمعاء.
ــــــــــــــــــــــــــــ
د. محمد علي جعفر
* باحث مُتخصص في نُظم السياسات والحوكمة