المشهد اليمني الأول/

ثمّة «تحوّل» اقتصادي اجتماعي كبير تشهده المملكة العربية السعودية، فيما المأمول اليوم لدى أصحاب القرار في الرياض هو فقط أن لا تستنزف المملكة أكثر بأسوأ أزمة تواجها المملكة تزامنت مع أزمة «كورونا» وتفرّعاتها، وأهمّها قضية أسعار النفط، ولو كان الأمر بقيام المملكة الأكثر ثراء في العالم بأكبر إجراءات تقشّفية في تاريخها تطال مستوى المعيشة لدى مواطنيها.

يربط أصحاب القرار في الرياض ما يجري لاقتصاد البلاد بأزمة «كورونا» إلا أن نظرة أبعد للتأثيرات التي تحل بالاقتصاد اليوم تكشف عن معضلتين: فشل مشروع «التحوّل» لبن سلمان. والثانية، مستقبل قاتم، يصعب الخروج منها بأكلاف زهيدة. «كورونا» سرّع المصير القاتم، لتدفع مشاكل ازدياد الدين وعجز الموازنة وانكماش الناتج المحلي ونزيف العملات الأجنبية وتآكل الاحتياطي نحو الحكم بانتهاء «رؤية 2030»، في العام الذي كان مرسوماً أن تجنى أهم ثمارها فيه.

زامنت الرياض الإعلان غير المسبوق عن حزمة إجراءات تقشّف واسعة وقاسية، مع إجراء تخفيض إضافي لإنتاج النفط. صحيح أن الأمر قد يعود بنفع على المملكة للتخفيف من آثار «حرب النفط» الانتحارية، إلا أن في القيام بتخفيض آخر غير المتفق عليه مع «أوبك +» إشارة واضحة لرضوخ المملكة لأحدث تهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، من خلال إعلان سحب جزئي للقوات الأمريكية في السعودية، أتبعه باتصال مع الملك سلمان بن عبد العزيز.

تسعى المملكة عبر إجراءاتها التقشفية لمنع التدهور الحاد لوضعها المالي والاقتصادي الذي وضعها أمام أخطر انكماش منذ عقدين، وفق تقديرات «بلومبيرغ». في الربع الأول، فقط، من العام الجاري، سجّلت الميزانية عجزاً بقيمة 9 مليارات دولار.

الأخطر بموازاة كل هذه الخطوات (أدّت إلى انخفاض حاد للأسهم السعودية في التعاملات المبكرة) أن المملكة تتجه، ضمن وصفتها لمعالجة الأزمة، نحو زيادة ما ستقترضه هذا العام إلى 58 مليار دولار.. وبحسب «وول ستريت جورنال»، يتعيّن على المملكة أن تسحب من الاحتياطيات الأجنبية 32 مليار دولار، إلى جانب عمليات الاقتراض، لتعوّض خسائر قطاع النفط بسبب «كورونا» و«حرب الأسعار» وعدم نجاح اتفاق «أوبك +» لخفض الانتاج في 12 نيسان الماضي.

لا تتعلّق الضبابية بأمد أزمة «كورونا» والإغلاق العام الذي أودى بقطاعي النفط والسياحة، فحسب، بل لأن الإجراءات الجديدة غير معروفة النتائج (كزيادة الضريبة على القيمة المضافة مع انخفاض التبادل التجاري والاستهلاك)، وغير معروف كيف سيعوّض النزيف الحاد في العملات الأجنبية للمملكة النفطية بأسعار النفط الحالية أو أكثر منها.

من المبكر الحديث عن تبعات الإجراءات خارجياً على صعيد حرب اليمن وموقع المملكة، أو داخلياً على المجتمع السعودي، وإن تنبّهت «وول ستريت جورنال» إلى أن الإجراءات «تهدّد الاتفاقية الاجتماعية الطويلة الأمد في المملكة، التي تتمثّل في تولّي عائلة آل سعود على مدى عقود توزيع ثروة النفط في البلاد من خلال الإعانات والوظائف الحكومية السهلة، مقابل الطاعة والسلطة المطلقة». لكن يمكن القول إن عام 2020 كان عام دفن «رؤية 2030» التي أطلقها محمد بن سلمان في 25 أبريل 2016م. بعد أربع سنوات، تنكشف الأزمة حين تُضاعف الضريبة على القيمة المضافة فقط لتغطية أزمة النفط الذي لا يزال يحتلّ المكانة ذاتها، فيما قال ابن سلمان يوم أعلن «رؤية 2030» إن الرؤية تتعامل مع أقل أسعار للنفط و«نستطيع أن نعيش في 2020 من دون نفط»!