المشهد اليمني الأول/

لطالما اتحفت الادارات الامريكية المتعاقبة العالم ببيانات وتصريحات وتحذيرات وادعاءات بالخوف على الحريات وحقوق الانسان والكرامة الانسانية.

ولطالما استخدمت مصطلح حقوق الانسان لتبرير سياساتها وتدخلاتها وحروبها على الدول الاخرى.

فكل من يعارض سياسات واشنطن ولا يخضع لشروطها واملاءاتها يصبح ديكتاتورا وعدوا للحريات والقوانين والانسانية وبالتالي لا بد من تخليص البشرية منه لان الولايات المتحدة هي الشرطي الجيد الذي ينقذ المظلومين دائما.

لكن من يمكن ان يصدق هذه الكلمات؟ ومن يمكن ان يقتنع بان الولايات المتحدة، خاصة في عهد دونالد ترامب هي الامينة على حقوق الانسان والمحترمة للنفس البشرية؟ فقط اولئك الذين لم يشاهدوا ولم يقرأوا ولم يتابعوا ما يحصل في الولايات المتحدة منذ ايام على خلفية مقتل الشاب جورج فلويد.

ما يحصل يوصّف بانه عنصرية وتمييز وعنف وكراهية في ان واحد، والقاسم المشترك فيها كلها دونالد ترامب، ولو كان تويتر يمارس صلاحياته بشكل جدي منذ البداية لكان حجب الكثير من تغريدات الرئيس الاميركي التي تسببت بوقوع اعداد كبيرة من جرائم الكراهية في الولايات المتحدة.

يقول ترامب انه ليس عنصريا وان مناصريه ليسوا عنصريين بينما مشاهد جماعات اليمين المتطرق المتواجدة بقوة في كل تظاهرة ومهرجان لترامب يؤكد العكس.

وترامب ليس الراعي الوحيد لهذا النهج العنصري، فما يجري على خلفية مقتل جورج فلويد هو الحلقة الاحدث من مسلسل عنصري يعود تاريخه الى عقود طويلة.

وما تتبجح به الادارات الامريكية ويتباهى به الاعلام الامريكي من حريات وحقوق وانسانية ليس الا وهما هوليووديا، والواقع يكشف ان وهم الصورة المشرقة والحقيقة البشعة يتواجدان في نفس الوقت على الساحة الاميركية كما يتواجد الصيف والشتاء على سطح واحد.

تكشف الارقام (المتعلقة بعنف الشرطة والعنصرية لاسيما ضد ذوي البشرة السمراء) زيف الوهم الذي يحاول ترامب وادارته (وكما الادارات السابقة) اقناع الاميركيين والعالم به.

= قتلت الشرطة الاميركية في العام الماضي 1099 شخصا
= في العام الماضي (2019) أي خلال 365 يوما، مر 27 يوما فقط لم تقتل الشرطة فيها احدا
= عدد الافرو-اميركان الذين يقتلون على ايدي الشرطة هو 3 اضعاف عدد البيض
= اكبر 8 مراكز للشرطة في الولايات المتحدة قتلت من الافرو-اميركان بمعدل اكبر من المعدل العام للقتل من قبل الشرطة في كل البلاد.

= بين عامي 2013 -2016..في مدينة “بوفالو-نيويورك” معدل الجريمة كان 12% لكن الشرطة لم تقتل اي شخص من البيض بينما في “اورلاندو-فلوريدا” معدل الجريمة كان 9% (اي اقل 3%) لكن الشرطة قتلت 13 شخصا كلهم من ذوي البشرة السمراء
= الاخطر هو ان 99% من عمليات القتل من قبل الشرطة بين عامي 2013 و 2019 لم تتم ادانة مرتكبيها بجريمة القتل

العنصرية لا تقف هنا. فقد خرج ترامب واصفا المحتجين على قتل جورج فلويد بقطاع الطرق مهددا باطلاق النار عليهم وارسال الجيش لقمعهم. فيما تسابق مسؤولو ادارته الى القاء اللوم على مندسين ومخربين من خارج الولاية، لكن تكشف ارقام الشرطة في “مينيابوليس” ان 80 % ممّن اعتقلتهم في الاحتجاجات هم من المدينة.

واللعبة العنصرية لا تقتصر على هذا، فقد اعلن ترامب تصنيف منظمة “انتيفا” بانها ارهابية متهما اياها بالتحريض على العنف والتخريب في الاحتجاجات. لكن نسي ترامب اكثر من 32 جماعة ومنظمة يمينية متطرفة تنشط داخل البلاد وبدا وجودها يتعزز منذ مجيئه الى البيت الابيض، وظهرت بقوة في الاسابيع الاخيرة في التظاهرات ضد الحظر بسبب كورونا والتي حرض عليها ترامب نفسه، حيث ظهر مؤيدو هذه الجماعات المتطرفة مدججين بالسلاح امام الكونغرس بينما رجال الشرطة لم يحركوا ساكنا في وقت كانوا يطلقون الرصاص على اي اسمر لا يعجبهم شكله.

(لا بد من التذكير بان منظمة انتيفا وبغض النظر عن جنوحها نحو العنف من ابرز مبادئها مواجهة المنظمات الفاشية اليمينية المتطرفة) لكن العدو الاكبر لهذه المنظمة اليمين المتطرف والنازيون الجدد، وتعتبر بنظر الكثيرين “أحد أفضل النماذج لتوجيه ردود الفعل الشعبية والحركات العفوية لمواجهة الفاشية بطريقة منظمة ومركزة.”

تقول التقارير ان فرصة ان تقتل على ايدي رجال الشرطة الاميركية لانك من ذوي البشرة السمراء اعلى من فرصة حصولك على عمل. والمؤكد ايضا انها اعلى بكثير من فرصة اقناع احدهم بان دونالد ترامب ليس عنصريا وان العنصرية انتهت في الولايات المتحدة.