المشهد اليمني الأول/

“فاتورة باهظة”.. بهذا التوصيف تداولت وسائل الإعلام العالمية إجراءات خطة التقشف التي أعلنتها الحكومة السعودية الشهر الماضي، خاصة رفع ضريبة القيمة المضافة على السلع بمعدل 3 أضعاف (من 5%- 15%) وتخفيض رواتب موظفي الدولة، ما دفع المراقبين لتسليط الضوء على شريحة الموظفين السعوديين في القطاعين العام والخاص باعتبارهم المتضرر الأكبر من هذه الإجراءات التقشفية.

ولكن في حين إجراءات خطة التقشف الأخيرة تضرب ما تبقى من آمال محمد بن سلمان في إقناع المواطنين السعوديين بصواب خياراته الاقتصادية، حسب تقدير نشرته وكالة “بلومبرج” الأمريكية في 14 مايو/أيار الماضي، فإن العاملين الوافدين في المملكة سيدفعون فاتورة مضاعفة لهذا التقشف، خاصة اليمنيين والبورميين.

وتستضيف السعودية نحو 1.8 مليون عامل يمني، بحسب إحصائيات غير رسمية، وكان هؤلاء العمال أكثر المتضررين من حظر التجوال المفروض في أغلب المدن والمناطق في المملكة التي يعمل فيها يمنيون في أعمال حرة بالأجر اليومي.

فمع فرض حظر التجوال، وجد عمال اليمن المغتربون في السعودية أنفسهم فجأة ممنوعين من الخروج للعمل في أهم فترات الموسم (من شعبان إلى عيد الأضحى)، في ظل عدم قدرتهم أيضا على العودة إلى بلادهم حيث تقود المملكة تحالفا عسكريا يخوض حرباً طاحنة ضد الحوثيين منذ عام 2015.

وتقدر بيانات رسمية تحويلات المغتربين اليمنيين في الخارج بنحو 5.172 مليار دولار سنويا، وتوقع تقرير حكومي حديث تهاوي هذه التحويلات بنحو 70% بسبب تفشي فيروس “كورونا”، ما سيؤدي إلى حرمان اليمن، الذي يواجه تبعات كارثية نتيجة توسع أزمة “كورونا”، من أهم مورد من موارد العملات الصعبة، إضافة إلى تدهور أوضاع العديد من الأسر التي تعيش على التحويلات من الخارج، وهو ما سيزيد من عدد السكان المحتاجين إلى المساعدات.

ويفاقم من هذه التبعات أن السلطات السعودية حددت 6 شروط لتقديم تعويضات لمدة 3 أشهر للموظفين الحكوميين ودعم المنشآت الخاصة المتأثرة من تداعيات مكافحة فيروس “كورونا” المستجد، أهمها أن تكون نسبة العاملين السعوديين في المنشأة لا تقل عن 50%، ما يهدد شريحة واسعة من العمالة اليمنية الوافدة التي تكد بشكل يومي في السوق بأجور زهيدة.

ويعد اليمنيون أول المعنيين بدعوة التسفير السعودية، بحكم عددهم الكبير في المملكة، لكن التجاوب مع هذه الدعوة لا يعد بديلا مشجعا في ظل استمرار الحرب في اليمن، والأوضاع الاقتصادية الصعبة في البلاد.

الرمي بالبحر:

وفي سياق مشابه، تشن حسابات سعودية موالية للنظام الحاكم حملة عبر شبكات التواصل الاجتماعي منذ أبريل/نيسان الماضي تحت عنواني “#انقذوا_مكة_من_البرماويه” و”#رحيل_البرماويه_مطلب”، تضمنت هجوما ضاريا على أبناء جالية “الروهينجا” المسلمين في مكة المكرمة، ومطالبات للسلطات بترحيلهم إلى ميانمار.

ويعج الوسمان بصور وفيديوهات للأحياء التي يقطنها البورميون في مكة على بعد كيلومترات قليلة من المسجد الحرام، وقد تراكمت فيها القمامة، زاعمين أن هذه الأحياء سبب رئيسي في أزمة تفشي فيروس “كورونا” المستجد بالمدينة المقدسة.

وتتجاوز بعض الحسابات التحذير من الخطر الصحي إلى حديث عن “تهديد أمني” للمملكة بشكل عام، ولمكة بشكل خاص، بهدف “محاولة إحداث تغيير ديموجرافي فيها” وتنشئة أجيال بورمية على فكرة أن مكة ملك لهم، وهو ما دفع الكاتب بصحيفة الشرق السعودية “سعود الفوزان” لتجاوز المطالبة بترحيل البورميين إلى المطالبة بـ”رميهم في البحر”، وفقا لما أورده بحسابه الموثق على “تويتر”.

وفي هذا الإطار، جاء تنويه صحيفة “نيويورك تايمز” إلى أن البورميين يخشون خطة الترحيل من السعودية إذا طلبوا الرعاية الصحية في مواجهة “كورونا”، خاصة غير الحاملين لأي جنسية والمقيمين غير النظاميين، ما يدفع بعضهم إلى التكتم على إصابته بالمرض.

ويلفت تقرير للصحيفة الأمريكية، نشرته في 17 مايو/أيار، إلى أن السعودية بدأت تبتعد عن دولة الرفاهية الواسعة التي أعطت معظم السعوديين الحياة المريحة التي يعيشونها، وبالتالي لم تعد ذلك المقصد التقليدي للعاملين الوافدين من العالم الإسلامي.

تحد اجتماعي:

وفي السياق ذاته، يرى الخبير في شؤون الشرق الأوسط في المعهد الملكي للخدمات المتحدة بلندن “مايكل ستيفنس” أن خطة رؤية “بن سلمان” الاستراتيجية لتحرير الاقتصاد السعودي من الاعتماد الأحادي على النفط صارت تترنح وتشارف على الانتهاء، مشيرا إلى أن عبء هذا الفشل سيكون على الأشخاص الأقل استعدادا لتحمله على الأرجح.

وينطبق توصيف “ستينفس” على العاملين الوافدين في السعودية بالدرجة الأولى، وفي القلب منهم اليمنيون والبورميون، ثم الشرائح الأقل نفوذا واقترابا من دائرة السلطة من المواطنين، مؤكدا أن من شأن ذلك أن يخلق تحديا اجتماعيا جديدا في المملكة، يتمثل في قدرة السعوديين في العمل بالوظائف التي طالما رأوها “متدنية” وتركوها للعمالة الوافدة.

ولذا تتوقع مراسلة شؤون الشرق الأوسط بصحيفة “صنداي تايمز” البريطانية “لويز كالاغان” أن يضطر السعوديون للعمل في وظائف طالما نأوا بأنفسهم عن قبولها، مثل وظائف البيع في مراكز التسوق، وقيادة المركبات في شركات النقل التشاركي “أوبر”، في ظل تناقص الوظائف المتاحة في القطاع العام.