المشهد اليمني الأول/

لم تكن جريمة قتل جورج فلويد الأولى من نوعها في الولايات المتحدة الأمريكية، بل لعلها أصبحت أمراً متوقعاً عند كل احتكاك بين شرطي أميركي أبيض ومواطن ذي بشرة سوداء.

لكنها هذه المرة لن تمر دون عقاب يبدأ من رأس هرم العنصريين إلى قاعدته، فلن يقتصر العقاب فقط على الشرطي ديريك تشوفين، ولن يترك الحكم للقضاء الأميركي المنحاز، وهذا ما تظهره الأوضاع المتزعزعة في البلاد.

إن ما تشهده الولايات المتحدة الأميركية من تظاهرات واحتجاجات ما هو إلا ردة فعل طبيعية على انتهاك الحقوق والعنصرية المتفشية بشكل كبير في مراكز القيادة والأمن فيها، وفي إحصاء لواشنطن بوست تم قتل ١٠١٤ مواطن أسود على يد الشرطة في عام ٢٠١٩.

لذا، لم تقتصر صرخات الاحتجاج داخل منيابوليس فقط، بل أنها اجتاحت ولايات عديدة منها نيويورك وواشنطن حتى وصولها لأعتاب البيت الأبيض الأمر الذي استدعى اختباء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب داخل قبو محصن وإطفاء أنوار البيت الأبيض لأول مرة منذ ١٩٤٤.

حدة التظاهرات والإصرار عليها في مشهد غير مسبوق في الولايات المتحدة، لم تخفت أصواتها تهديدات ترامب بالقمع والمواجهة ولا حتى أفعال العنف المثبتة تجاه المتظاهرين، بل أنها تزيد من إصرار المواطنين على الاحتجاج ورفع الصوت في جملة لعلها باتت الأكثر ترديدا على ألسنتهم لا أستطيع التنفس.

بعد أن قضى جورج فلويد مختنقاً – رغم المحاولات الفاشلة لتزييف سبب موته – فإن أنفاسه المتقطعة الأخيرة أسفرت عن تنفس الأميركيين والقيام على الظلم والمعاناة.

ولا شك أن ترامب المستهدف الأول من قبل المتظاهرين، فلم تتوقف عنجهيته تجاه العرب فقط كما ظهر في العديد من تصريحاته، أو الصينيين، أو الشرق بشكل عام، أو حتى شعوب أميركا اللاتينية … بل أنه تعدى ذلك للداخل حيث ظهرت العنصرية بوضوح في خطاباته تجاه بعض المواطنين الأميركيين من أعراق مختلفة، وفي إدلاءاته الأخيرة دعا حكام الولايات لأخذ الاجراءات اللازمة والسيطرة على الشوارع ثم هدد بنشر الجيش الامريكي، أي مواجهة الشعب بالجيش، والسجن لسنوات طويلة للمحتجين الذين وصفهم بالإرهابيين.

كما امتدت الاحتجاجات لتصل إلى تورونتو الكندية منددة بجريمة قتل فلويد ووفاة امرأة كندية من أصول إفريقية في تورونتو نتيجة سقوطها من شرفة منزلها خلال عملية مداهمة للشرطة، في ظروف ما زالت غامضة.

كما احتج المئات في برلين، وفي لندن حيث اتجه المتظاهرون إلى السفارة الأمريكية مروراً بالبرلمان.

وما هذه التظاهرات إلا رسالة للحكومات التي تدعي الحضارة والإنسانية وحماية حقوق مواطنيها بعد أن تبين أنهم مجرد أرقام في سجلاتها وعبئ على اقتصادها بعد تفشي وباء كورونا الذي فضح سياساتهم وأولوياتهم الاقتصادية على حساب أرواح الناس.

إن صورة الإدارة الأميركية المتبجحة بحفظ الحريات والحقوق والحفاظ على السلام وإدراك الشعوب المضطهدة، ما هي إلا صورة وهمية لنظام تديره شياطين البشر، وحقيقته الوحشية قد تكشفت وما تزال تتكشف في العديد من الانتهاكات للانسانية في الداخل والخارج.

إن الحكومات المتعاقبة على الولايات المتحدة الأميركية كما نجحت في طغيانها وغطرستها فإنها تفوقت على هولوود في تلميع أفعالها الإجرامية، فلم يكن عهد ترامب في الاستبداد إلا استكمالاً لعهود سابقة، ولعله الأكثر غباءاً، وعلى ما يبدو فان عهد الرئيس ترامب بات يقترب من افوله.

_______
فاطمة محسن