المشهد اليمني الأول/
مصطلح مقاومة في اللغة يعني النضال ضد جهة او شيء اخر او مواجهته ومصارعته، كمن يقاوم عدوه او مرضه، وفي المعنى القانوني تعني المقاومة النضال لنيل الحرية او السيادة وطرد إسرائيل من الارض التي يحتلها او النضال ضد الاستبداد والظلم بمعناه الاوسع، باعتماد كافة الوسائل المشروعة للدفاع عن النفس.

ومبدأ المقاومة بهذا المعنى هو مبدأ تقره وتعترف به كافة الانظمة والقوانين الدولية ومواثيق وشرائع حقوق الانسان والاديان السماوية والمبادئ الانسانية والاخلاقية، وتاريخ بني البشر فيه الكثير من الامثلة والشواهد على صور المقاومة بوجه الظلم والاحتلال والطغيان وهناك أمثلة كثيرة تتخذ فيه المقاومة الطابع المسلح وغير المسلح.

ومن أبرز الامثلة الحية والمستمرة على صور وأمثلة المقاومة هو ما شهده التاريخ الحديث في منطقتنا وبالتحديد في القرن الماضي وحتى يومنا هذا، حيث شهد على مقاومة الشعب الفلسطيني وباقي شعوب المنطقة للاحتلال الاسرائيلي منذ نشوء الكيان الغاصب وحتى اليوم، وفي ظل انكفاء غالبية الانظمة العربية والاسلامية عن الوقوف بشكل واضح وصريح بوجه العدوانية الاسرائيلية وفي ظل تواطؤ الكثير من الحكام العرب مع الصهاينة، بقيت ايران هي الركيزة الاساس لدعم قضية فلسطين وجوهرها القدس المحتلة والتي كرسها الامام الخميني كقضية مركزية للعالمين الاسلامي والعربي، فكان ان اغلقت السفارة الاسرائيلية واستبدلت بسفارة فلسطين بعيد الثورة مباشرة، وتكريس يوم عالمي للقدس يحتفل به في كل عام في آخر يوم جمعة من شهر رمضان لتذكير العالم والامة وبمظلومية القدس وفلسطين وترسيخ ذلك عبر الاجيال حيث نرى الاحتفالات التي تعم العالم الاسلامي وكثير من دول العالم بهذه المناسبة ما يؤكد جدوى تثبيت هذا اليوم كيوم عالمي للقدس وفلسطين، بالاضافة الى كثير من اوجه الدعم اللامحدود الذي قدمته الثورة والجمهورية الاسلامية في ايران للمقاومة بشكل عام ولمقاومة الشعب الفلسطيني بشكل خاصة.

وعن سبل مواجهة الشعب الفلسطيني للعدو الاسرائيلي تطرح تساؤلات عن السبيل الانجع والافضل لانتصار الشعب الفلسطيني، وما هي السبل الممكنة والمتاحة امام الشعب الفلسطيني؟ وهل المقاومة الخيار الوحيد ام انه توجد خيارات اخرى؟ وما هي أشكال المقاومة الممكنة وايها افضل بالنسبة للشعب الفلسطيني بمواجهة المحتل والعدو الاسرائيلي؟ وهل يمكن ان تتكامل هذه الاشكال المختلفة للمقاومة؟ وكيف يمكن دعم وتزخيم هذه المقاومة على صعيد الامة ككل؟ وما النتائج الحتمية للمثابرة وترسيخ المقاومة في عقول ونفوس ويوميات الامة بشكل عام والشعب الفلسطيني بشكل خاص؟

الخيارات الممكنة امام الشعب الفلسطيني (تاريخيا وحاضرا ومستقبلا) ونتائجها:

قد يسأل سائل ما هي الخيارات التي كانت ممكنة او ما تزال امام الشعب الفسلطيني لمواجهة محنته التاريخة والحاضرة، ليكون الجواب ان هذا الشعب هو امام خيارات واقعية عدة هي: ترك المواجهة، إما ان يدخل في نفق المفاوضات لتوقيع اتفاقيات مع العدو، وإما ان يواجه ويقاوم أيا كانت المترتبات.

والاكيد ان الشعب الفلسطيني هو شعب مقاوم حي لا توجد في قاموسه كلمة استسلام او تراجع وهذا هو حال شعوب الامة الحية ولو كانت بعض انظمتها متخاذلة، والشعب الفلسطيني يناضل منذ عشرات السنين من أجل انتزاع حقوقه الطبيعة في القدس وأرضه وبالعودة اليها، وهذه الحقوق هي لبّ الصراع مع العدو الاسرائيلي ومن خلفه كل الداعمين له وعلى رأسهم الادارة الاميركية وضمنا كل الادوات الاقليمية، فهؤلاء يعملون على شطب من القدس وحق العودة من المعادلة ودفع الفلسطينيين لنسيانهما والتخلي عنهما عبر الكثير من وسائل الترهيب والترغيب، ولعل أبرز مثال على هذه الوسائل هو ما بات يعرف بـ”صفقة القرن” التي ابتدعتها إدارة الرئيس الاميركي الحالي دونالد ترامب وتروج لها وعملت على تسويقها ولم تنجح باي شكل من الاشكال نتيجة رفض الشعب الفلسطيني لها بكل فصائله ومكوناته، لان لا أحد من الفلسطينيين يريد كما لا احد يستطيع تحمل مسؤولية التفريط بحق العودة وبالقدس كعاصمة ابدية ونهائية لفلسطين.

ويبدو ان “صفقة القرن” المزعومة فشلت وسقطت، بعد كل الخسائر الاميركية في المنطقة والعالم ناهيك عن التخبط الاسرائيلي في الداخل والذي ظهر خلال في صعوبة تأليف الحكومة وملاحقة رئيس الحكومة بنيامين نتانياهو بتهم الفساد وعدم قدرة المؤسسة الامنية والعسكرية على اعادة الاعتبار لهيبتها بعد الهزائم التي لحقت بها منذ تموز 2006 وحتى يومنا هذا، وصولا الى تخبط الانظمة الاقليمية الداعمة والراعية والمؤيدة لهذه الصفقة وعلى رأسهم النظام السعودي في مشاكلهم الداخلية والتورط في العدوان على اليمن بدون تحقيق اي إنجاز يذكر بل بالعكس باتت الخسائر تزيد يوما بعد يوم من دون قدرة قوى العدوان على حسم اي شيء في معركتهم امام الجيش اليمني واللجان الشعبية.

أما بخصوص فرضية السلوك في طريق المفاوضات والتسوية مع العدو، فهذا الامر قد يظنه البعض سهلا او مفيدا ويحقق نتائج ما بأقل الخسائر الممكنة، كما ان البعض قد يروج له نتيجة تواطؤ او انهزام في نفسه وتبعيته للعدو او لحلفائه، إلا ان الإمعان في هذه الفرضية ودراسة الحالات التاريخية التي حصلت في هذا المجال مع العدو الاسرائيلي تثبت فشلها الذريع وتؤدي الى نتيجة حتمية بتضييع الحقوق.

وطالما دعت مختلف الفصائل الفلسطينية، السلطة لوقف التعاون والتنسيق الامني مع العدو وإلغاء كافة الاتفاقيات مع العدو والسماح بالعمل المقاوم بكافة اشكاله داخل مناطق الضفة كرد على ممارسات العدو التعسفية المتواصلة، حتى ان اركان السلطة الفلسطينية وعلى رأسهم رئيسها محمود عباس عبروا اكثر من مرة عن نية بتجميد كل الاتفاقيات مع العدو نتيجة ما تقوم به من ممارسات، ما يدفع لانتظار التنفيذ الفعلي لهذه الوعود.

أما بخصوص المواجهة والمقاومة، فقد أثبتت كل التجارب التاريخية سواء في فلسطين او المنطقة لا سيما في لبنان، أنها الخيار الاكثر فائدة والاربح لكل من يعتنق هذا الخيار والمبدأ، وكما يقول البعض إن “المقاومة مربحة ورابحة”، فالشعب الفلسطيني نفسه رغم كل الحصار والاحتلال والتضييق والظلم استطاع ان يؤكد انه قادر على هز كيان الاحتلال وعلى رسم قواعد ومعادلات ردع مع العدو، فمن يستطيع ان يردع عدوه إلا من يواجه ويقاوم، فمبدأ المقاومة هو الاساس وبعد ذلك نبحث بالتفاصيل حول الشكل والكيفية والتوقيت وغيرها من الامور التكتيكية، إنما خيار المواجهة والمقاومة وعدم الرضوخ هو مبدأ يربح ولا يؤدي الى الخسارة او بمعنى آخر فإن نتائج المواجهة والمقاومة تبقى أفضل بكثير من نتائج الرضوخ والخنوع والقعود بمواجهة الاحتلال والظلم.

وبالمحصلة فإن المواجهة والمقاومة ومقارعة المحتل هي السبيل الانسب والافضل من بين كل الخيارات المطروحة وهذا ما أثبتته كل التجارب عبر التاريخ ولا سيما في تاريخ الصراع مع العدو الاسرائيلي ومع ربيبته اميركا، فهؤلاء أصلا لا يعترفون بمن يهادنهم ويلهث خلف سياساتهم وانما لا يقيمون اي اعتبار لمثل هذه الاصناف بل يحسبون الحساب لمن يقف بوجههم ويملك القوة المناسبة لعرقلة مشاريعهم، وايضا هذا ما أثبتته التجربة الفلسطينية نفسها، فعندما نقارن المثال الفلسطيني بالتفاوض مع المحتل كيف كانت النتيجة وبين التجربة الفلسطينية المقاومة وماذا حققت واي افق لها مستقبلا، نعرف أهمية عدم التنازل عن اي حق من الحقوق امام محتل غاصب يمعن في انتهاك كل الاعراف والقوانين ولا يتوانى عن التمدد والسيطرة وقضم الحقوق.
__________-
ذوالفقار ضاهر