المشهد اليمني الأول/

على الرغم من صعوبة تحديد الأسباب الدقيقة وراء اعتقال أحد أقرب المقربين من محمد بن سلمان، على الأقل في الظروف الحالية، يبدو أن الحكومة السعودية تمرّ بوضع صعب للسيطرة على الرأي العام المعادي لها داخل شبه الجزيرة العربية وخارجها، وإن دولارات النفط في البلاد والدعم المطلق لمحمد بن سلمان من قبل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لم يتمكن من تهدئه روعه في مواجهة التطورات المستقبلية.

بدر العساكر، الرجل الذي وصفته وسائل الإعلام العربية بأّنه اليد اليُمنى لمحمد بن سلمان، هو أحد أقرب الأشخاص لمحمد بن سلمان، حيث كان يدير حساب تويتر الخاص بولي العهد السعودي، وبالإضافة إلى منصبه، كان اسمه مقروناً بالتّجسس على النشطاء السياسيين المناهضين للسعودية وجمعْ معلومات التّجسس من خلال مشاركاتها على تويتر، كما كان مسؤولاً عن تحديث صفحة تويتر التابعة لولي العهد.

نشأت الشكوك حول غياب العساكر المريب بعد أن أثار عمر بن عبد العزيز، أحد معارضي الأسرة المالكة السعودية والناشط السياسي، مسألة غيابه، فبالإضافة إلى مناصبه، كان العساكر مسؤولاً عن الإدارة في معهد “المسك” المتخصّص في مواقع التواصل الاجتماعي التي يشرف عليها ولي العهد السعودي.

آخر مشاركة للعساكر على تويتر كانت يوم 6 مايو، أي قبل أكثر من شهر من هذا اليوم، وبعد هذا الغموض، نشرت صفحته على تويتر فجأة موضوعاً للإيهام أنّ العساكر لم يختفِ، وفي غضون ذلك، يعتقد النشطاء القانونيون أن مقرّبين من ولي العهد السعودي نشروا التغريدة للتغطية على اعتقال بدر العساكر.

ونقل موقع “العربي الجديد” عن مصدر مطلع قوله: “لا شك في أنّ العساكر تمّ اعتقاله والتغريدة التي نشرت كانت ردّاً على المعارضة السعودية”، وقد حدث هذا الأمر مسبقاً مع الدكتور سلمان العودة، حيث كان المسؤولون السعوديون يرسلون رسائل من هاتفه الخلوي دون علمه وأثناء وجوده في الحجز.

ونقلت وكالة أنباء الشرق الأوسط عن مصادر سعودية أنّ العساكر رهن الاحتجاز.

وتزامن اعتقاله مع تعيين “طراد باهبري” نجل سبأ باهبري، رئيس الأركان والصحفي السعودي، رئيساً للشؤون الخاصة لمحمد بن سلمان، ويعتقد النشطاء السياسيون أنه على الرغم من تغيّر طبيعة المنصب، فمن المرجّح أن يكون باهبري قد حلّ محلّ العساكر.

كواليس إقالة بدر العساكر

فيما يتعلّق بالسيناريوهات وراء إقالة مدير مكتب ولي العهد السعودي، تمّ اقتراح العديد من السيناريوهات المختلفة، اذ يعتقد بعض النشطاء المناهضين للسعودية أن الفضيحة المحيطة بتورط السعودية في التجسس على تويتر ضدّ مستخدميها كانت أحد أسباب إقالة بدر العساكر.

ويرى مؤيدو هذا السيناريو أنه بعد إقالة تركي آل الشيخ وسعود القحطاني وإحالتهم إلى القضاء بسبب اتهامهم بقضية مقتل جمال خاشقجي، أصبح العساكر هو الآخر ضحية هذه السياسات الإجرامية وغير القانونية لمحمد بن سلمان.

حاول العساكر دائماً تجنّب الوجود مع محمد بن سلمان وتجنّب حضور الاحتفالات الرسميّة معه إلا ما ندر، وبالإضافة إلى ذلك، رفض دائماً نشر صوره ليكون بذلك في الهامش الآمن.

ووفقا لوسائل الإعلام العربية، على عكس زملائه السابقين الذين سجنوا قبله، كان للعساكر خطاب دبلوماسي وتعامل مع منتقديه بصبر وهدوء.

وفي وقت سابق، تم ذكر اسمه في ملف التحقيق المتعلق بقضية مقتل خاشقجي، حيث اُعلن أن الجاني الرئيس لهذه العملية هو شخص اسمه ماهر مطرب وأنّه اتصل ببدر العساكر بعد العملية، لكن الأخير تمكّن أخيراً من الفرار من التهم.

وأفادت صحيفة وول ستريت جورنال عن ادّعاءات تجسس بدر العساكر على تويتر، بأن الأمريكي اللبناني أحمد أبو عمو، وعلي آل الزبارة، تاموظف في شركة تويتر، ووسيطهما مع الحكومة السعودية، أحمد جبرين المطيري، الذين تم اتهامهم بقضية تجسس تويتر على مواطنين سعوديين، تم توظيفهم جميعاً من قبل بدر العساكر واستخدامهم كمرتزقة للحكومة السعودية داخل تويتر، وتزامن ذلك مع تعيين بدر العساكر مديراً لمكتب محمد بن سلمان في منتصف عام 2017.

بالطبع، هذا الرأي له منتقديه، اذ يرى معارضو هذه النظرية بأنه كان على السعودية في مثل هذا الوضع، متابعة القضية بشكل أكثر شفافية، مثل المستشارين السابقين لمحمد بن سلمان، الذين تمّ القبض عليهم عقب اغتيال جمال خاشقجي.

ويعتقد البعض الآخر أنّ فشل السياسات الدعائية والإعلامية لمعهد مسك ووسائل الإعلام السعودية الأخرى أدى إلى اقصاء العساكر.

لا يبدو هذا السيناريو مستبعداً بسبب العزلة الدولية للسعودية، خاصةً نتيجة للحرب العدوانية على اليمن والاغتيال الوحشي لجمال خاشقجي وفضيحة التجسس السعودي على مواطنيها، وفي النهاية دعمها لبعض الجماعات الإرهابية في المنطقة.

أما السيناريو الثالث لغياب العساكر هو أن إقصاءه يمثّل حلقة أخرى من تشاؤم محمد بن سلمان من المقربين منه في عملية نقل السلطة في السعودية. فبعد إقصاء متعب بن عبد العزيز ومحمد بن نايف، قام بن سلمان بتعديل عدد من المناصب الإدارية الوسطى الأخرى في السعودية لتمهيد الظروف لانتقال السلطة من والده اليه.

يعتقد بعض النشطاء السياسيين أن ابن سلمان راودته نيات سيئة مفرطة في هذا الصدد، وأن بعض أقاربه تم فصلهم وسجنهم دون توجيه أي تهم إليهم. وتقول مصادر مطلعة إن العساكر تم اعتقاله مع معتقلين آخرين في السعودية، وأن عدداً من الأمراء الآخرين تم سجنهم من دون تهمة.

تاريخ علاقات العساكر مع محمد بن سلمان

التقى العساكر، الذي ينتمي إلى عائلة سعودية ثرية، بمحمد بن سلمان لأول مرة في عام 2006.

وكان الاثنان صديقين مقرّبين منذ ذلك الحين وتجمعها آنذاك علاقة عمل أيضاً، وقالت تقارير إعلامية إن العساكر كان مدير الاستثمار لمحمد بن سلمان وكان ينفذ صفقاته مع الأطراف الغربية من خلال معهد المسك أو شركات خاصة أخرى.

وفي هذا السياق، أفادت الصحيفة الأيرلندية آيرش تايمز في ديسمبر 2017 أن شركة إيت إنفزتمنت، التي اشترت سفينة سياحية وقصراً ولوحة رسمها ليوناردو دا فينشي بمئات الملايين من الدولارات، قد سجلتها باسم ثلاثة أشخاص، أحدهم بدر العساكر.

وكان العساكر يوقّع نيابة عن محمد بن سلمان، عدّة اتفاقيات استراتيجية مع دول ومؤسسات غربية، وخاصة أمريكا.

على الرغم من صعوبة تحديد الأسباب الدقيقة وراء اعتقال أحد أقرب المقربين من محمد بن سلمان، على الأقل في الظروف الحالية، يبدو أن الحكومة السعودية تمرّ بوضع صعب للسيطرة على الرأي العام المعادي لها داخل شبه الجزيرة العربية وخارجها، وإن دولارات النفط في البلاد والدعم المطلق لمحمد بن سلمان من قبل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لم يتمكن من تهدئه روعه في مواجهة التطورات المستقبلية.