المشهد اليمني الأول/

آخر أحلام ولي العهد السعودي محمد بن سلمان أصبحت هباءً منثوراً بعد الانهيار الذي أصاب عملاق النفط السعودي “آرامكو”، على خلفية انتشار جائحة كورونا التي تسببت بانخفاض أسعار النفط إلى مستويات قياسية وبالتالي لم يعد بإمكان ابن سلمان الذهاب نحو تقليل الاعتماد على النفط وحتى لم يعد بإمكانه الاعتماد على النفط نفسه، وعليه أن يبحث عن مصدر دخل جديد للبلاد لوقف شبح الانهيار.

الانخفاض القاسي لمستوى أسعار النفط أجبر أرامكو لطرد عدد كبير من موظفيها تصل نسبتهم إلى 15% من اجمالي عدد موظفي الشركة، وهذا مؤشر خطير قد ينذر بمزيد من الانهيار والتعقيد على مستوى الاقتصاد السعودي، ونظراً لكون السعودية جلّ اعتمادها على النفط لن يكون بمقدورها الخروج من هذه الورطة في حال استمر فيروس كورونا بالانتشار لكونه المسبّب الاساسي في انهيار اسعار النفط العالمية وانخفاض الطلب.

بكل تأكيد الحرب النفطية التي أشعلها ابن سلمان مع روسيا أثّرت بشكل كبير ايضا على اسعار النفط وأدت الى مزيد من الانهيار، وكانت خطوة فاشلة مثل سابقاتها لكونها لم تقدم اي شيء ايجابي للسعودية، ومن تداعياتها طرد عدد كبير من موظفي “آرامكو” ولا يمكننا اطلاقاً إغفال سياسة ابن سلمان عمّا يجري وفشله في إدارة أزمة البلاد.

الشركة النفطية أصدرت بيانا الخميس الفائت قالت فيه، انها تراجع نفقاتها التشغيلية، في اول تعليق لها على تقارير قالت ان عملاق النفط السعودي بدأت بتسريح موظفين، واضافت إنها “تتكيف مع بيئة أعمال معقدة للغاية وسريعة التغير بسبب جائحة كورونا وإن الشركة تراجع باستمرار نفقاتها التشغيلية”.

وتابعت “ان جميع إجراءاتنا مصممة لإكسابنا مزيداً من المرونة والمتانة والقدرة التنافسيّة، مع التركيز على النمو في المدى الطويل”.

وكانت وكالة “بلومبيرغ” للأنباء ذكرت في وقت سابق أن ارامكو بدأت بالفعل بتسريح المئات من موظفيها ضمن خطة لخفض نفقاتها التشغيلية في مواجهة تباطؤ الطلب العالمي على النفط وتراجع الاسعار النفط بسبب به تفشي جائحة كورونا، ويتجاوز عدد موظفي ارامكو 70 الف موظف، وقالت تقارير انها شطبت نحو 500 وظيفة.

من جهة اخرى، قال الرئيس التنفيذي للشركة امين ناصر، الخميس، انها ستلجأ للاستدانة لتوزيع أرباح على المساهمين، وقال ناصر في تصريحات للصحفيين إن الشركة ستستخدم السيولة والدين لسداد توزيعات أرباح تبلغ 18.75 مليار دولار للربع الأول من العام الحالي، وجمعت أرامكو سيولة بلغت 15 مليار دولار في الربع الأول، لكنها لا تكفي لسداد توزيعات الفترة البالغة 18.8 مليار دولار عندما سجّل متوسط أسعار خام برنت 50 دولارا للبرميل، مقارنة مع 65 دولارا نهاية 2019.

الضربة الموجعة الثانية التي سترخي بظلالها على الاقتصاد السعودي هي انحسار استثماراتها الخارجية وخاصة في مجال النفط، الجانب الأبرز لاستثمارات الشركة في آسيا، حيث انسحبت مؤخراً “أرامكو” السعودية من شراكتها مع شركة “برتامينا” الإندونيسية، وإنهاء الشراكة هذه يعني تراجع السعودية استثماريا بين الدول المستثمرة في إندونيسيا إلى المرتبة 42، إذ ظلت استثماراتها دون 6 ملايين دولار سنويا خلال الأعوام الأخيرة.

اندونيسيا تبحث حاليا عن استثمارات عربية بديلة وقالت ذلك صراحة على لسان وكيل وزارة البحار والاستثمار الإندونيسي الذي أقر بضرورة أن تتابع الوزارات المعنية سير عملية الاستثمار والتفاوض في مشاريع كهذه في المستقبل، لتذليل كل الصعوبات مثل تسجيل الأراضي وملكياتها وغير ذلك من الرخص والتصاريح التجارية والاستثمارية، والتي قال إن بعضها قد تأخرت متابعته في مشروع أرامكو مع برتامينا.

وأضاف بورابايا إن الحكومة ستظل تتواصل مع الدول العربية وشركاتها ومستثمريها، إذ هناك الكثير من المشاريع الممكنة والمصافي التي يمكن الاستثمار فيها، مؤكداً أن الوزارات المعنية ستتابع الإجراءات الرسمية لتسهيل الاستثمار.

وتابع: إنّ الحكومة لا تريد أن يترك إنهاء شراكة أرامكو تصوّراً سلبياً تجاه الاستثمار في إندونيسيا، ووعد بأن بلاده ستظل تعمل على جذب المستثمرين من العالم العربي، وستكون حاضرة في المفاوضات بين أي مستثمر عربي وأي شركة إندونيسية.

المستثمرون يبتعدون عن أرض السعودية… الأسباب والتداعيات

أولاً: من البديهيات في عالم الاستثمار أن المستثمر لا يضع أمواله في شركة خاسرة، حيث لا يوجد أي ضمان بأن هذه الشركة قد تنتعش فجأة، وكذلك هو الحال مع شركة آرامكو التي تراجع صافي ربحها في الربع الأول من العام بنسبة 25%، حيث تضررت من هبوط أسعار النفط الخام في الوقت الذي قلص فيه فيروس كورونا الطلب بشدة، وأشارت الشركة إلى أن أزمة كوفيد-19 ستؤثر على الطلب وعلى إيرادات العام الجاري.

وكان الكثير من المستثمرين السعوديين، ممن سحبوا من مدّخراتهم واقترضوا للمشاركة في الطرح القياسي لسهم أرامكو، أعربوا عن ندمهم الشديد في استثمار أموالهم، في الطرح العام الأول لأسهم الشركة.

ثانياً: بيئة المملكة غير آمنة للاستثمار في ظل استمرار الحرب الظالمة التي تشنها السعودية على الشعب اليمني، ولا احد يستطيع أن يضمن للمستثمرين عدم تعرض منشآت النفط السعودية للقصف بالصواريخ من قبل “انصار الله” لطالما ان الحرب لا تزال قائمة والقصف الجوي لايزال مستمر، فالضربة الصاروخية الاخيرة لانصار الله أوقفت نحو نصف إنتاج السعودية من النفط، وكشفت أنها فقدت الاجواء الامنة التي تتطلبها الاستثمارات، الامر الذي دفع وكالة “فيتش” للتصنيف الائتماني الى الاعلان عن انها خفضت التصنيف الائتماني لشركة “أرامكو” السعودية من الف+ الى الف، اخذة في الاعتبار التوترات الجيوسياسية المتزايدة في المنطقة، وكذلك استمرار عجز الموازنة في البلاد من بين عوامل أخرى.

ثالثاً: هناك رعب من قبل التجار للقدوم إلى السعودية بعد الاعتقالات التي نفذها ابن سلمان بحق عدد كبير من الامراء، حيث القى ولي العهد القبض على عشرات من المليارديرات السعوديين والمستثمرين، ووضعهم في السجن دون أي مسوغات قانونية؛ ومن ثم الحصول منهم على تسويات بقيمة 100 مليار دولار دون أي إجراءات قانونية على الإطلاق، وعليه فمن الصعب تدفق رأس المال الأجنبي إلى بيئة استثمارية لا يُعامل فيها بشكل جيد ويحميه حكم القانون.