المشهد اليمني الأول/

يشهد العالم اليوم بداية تلاشي الحلم الأمريكي على وقع سلسلة من الأزمات، في مقدمتها قضايا التمييز العنصري وعدم المساواة في الدخل ومشاكل الرعاية الاجتماعية والصحية والتعليم.
لقد تأسست الولايات المتحدة الأمريكية على فكرة حالمة مفادها أن لكل مواطن الحق في “السعي لتحقيق السعادة”، على حدّ تعبير توماس جيفرسون (1743-1826).

فكرة الحلم الأمريكي هذه، والقائمة على إمكانية ارتقاء الفرد بمجهوده الخاص إلى أعلى درجات النجاح المادي، بغض النظر عن عرقه وطبقته الاجتماعية، استقطبت الكثير من المهاجرين وشكّلت جوهر العقد الاجتماعي في البلاد وعصب اقتصاد السوق. لكن الحلم الأمريكي يوشك الآن أن يصبح جزءا من الماضي.

عدد السود المصابين بكورونا ضعف عدد البيض

إن فكرة “السعي لتحقيق السعادة” يمكن أن تكون ذات معنى في ظل وضع اقتصادي مزدهر، حتى إن غاب العدل. لكن الحلم يتلاشى تلقائيا في ظل الأزمات الاقتصادية الحادة، والتي تظهر معها عيوب المجتمع، وأكثرها وضوحا قضية التمييز العنصري.

أزمة كورونا الحالية سلطت المزيد من الضوء على الفوارق الاجتماعية والعرقية في الولايات المتحدة، حيث يقدر عدد الأمريكيين الأفارقة واللاتينيين المهاجرين حديثاً الذين يعانون من وباء كورونا بضعف عدد البيض. وليس ذلك من باب الصدفة، فهم يمثلون الفئات الأكثر فقرا في البلاد والأكثر معاناة من الأمراض المزمنة، كما أنهم لا يتمتعون بتأمين صحي خارج حالات الطوارئ.
وتشير الأرقام إلى أن نسبة البطالة وصلت إلى ما يقرب من 20 بالمائة من إجمالي السكان النشطين، والأقليات العرقية هي الأكثر تأثرا، لأنها لا تتمتع بالتأمين ضد البطالة، وتعتمد فقط على الإعانات والمساعدات التي تقدمها المنظمات الخيرية.

وهم لا يمكن تغييره

بدأت الأزمة الحالية التي تعيشها الولايات المتحدة مع الحادثين اللذين اندلعت على إثرهما الاحتجاجات في مختلف المدن الأمريكية.

ففي 25 أيار/ مايو الماضي، منع رجل أمن أمريكي من أصل أفريقي امرأة بيضاء من أن تطلق كلبها في سنترال بارك في مانهاتن، لأن ذلك مخالف للقانون. لم تستسغ المرأة الأمر، واتصلت بالشرطة للتنديد بهذا الرجل ذي الأصول الأفريقية الذي يجرؤ على تهديدها.

وفي اليوم نفسه، قتل شرطي أبيض في مينيابوليس رجلا أسود يُدعى جورج فلويد، دون أي شفقة ولا رحمة. ربما قد يبدو أن الحادث الأول أقل أهمية، لكنه يكشف عمق الأزمة.
تزامن الحادثان مع جائحة كورونا وارتفاع معدلات البطالة، ما أدى إلى اندلاع احتجاجات تحوّلت إلى أعمال شغب مماثلة لتلك التي حدثت في السبعينيات، وقد ضمت الأفارقة واللاتينيين، ولم تخلُ من البيض والمتعاطفين مع قضايا المهمشين.

الجماعات الفوضوية التي تقوم بأعمال خارجة عن القانون على غرار حركة “أنتيفا”، تخدم مصالح دونالد ترامب وأنصاره دون قصد، إذ تصبح أحداث الشغب مبررا للتنديد بالاحتجاجات المشروعة، ويتم تجاهل الأسباب الجذرية التي تسببت في حالة اليأس، مثل حرمان الأقليات من التأمين الصحي والإحاطة الاجتماعية.

ويسعى ترامب من خلال محاولة فرض النظام وإنهاء الاحتجاجات، إلى لفت الأنظار عن قضايا العنصرية وعدم المساواة والعنف الذي تمارسه الشرطة وفشله في إدارة أزمة وباء كورونا.

رئيس غريب

إن ترامب هو أسوأ رئيس يمر على الولايات المتحدة في أوقات الأزمات، فبدلاً من الدعوة إلى المصالحة والوحدة الوطنية على غرار ما قام به فرانكلين روزفلت في ثلاثينيات القرن الماضي، وباراك أوباما بعد الأزمة الاقتصادية في 2008، عمد ترامب إلى إثارة الفوضى وتحشيد أنصاره من البيض.

ولم يتوان ترامب عن وصف المحتجين بالإرهابيين، وهدد بنشر الجيش في المدن لوقف المظاهرات. أما خلال أزمة كورونا، فقد ذهب للعب الغولف عندما تجاوز عدد الوفيات حاجز المئة ألف وفاة.

وسواء أعيد انتخاب هذا الرئيس الغريب الذي لم يسبق له مثيل في تاريخ الولايات المتحدة أم لم يعد انتخابه، فمن الواضح أن على الأمريكيين مراجعة العقد الاجتماعي لإنقاذ بلدهم واستعادة الحلم الأمريكي في “السعي لتحقيق السعادة”.

إن فشل الإدارة الأمريكية الحالية في توحيد الطبقة السياسية، وتردي الوضع الاقتصادي، واقتراب المنظومة الصحية من الانهيار، وتواصل الاحتجاجات ذات الطابع العرقي والصراع المحتدم مع الصين، كلها عوامل تهدد الحلم الأمريكي.

لكن رغم كل ذلك فإن الفرصة مازالت قائمة لإنقاذ هذا الحلم الذي طالما افتخرت به الولايات المتحدة، رغم أن البلاد تبدو “على حافة الانهيار الذاتي”.

إن الانتخابات الرئاسية القادمة ستكون الأهم في تاريخ الولايات المتحدة منذ انتخاب ابراهام لنكولن، فهي تأتي في فترة أصبحت فيه أمريكا “رجل الغرب المريض”.