المشهد اليمني الأول/

أدى الربيع العربي خلال الفترة (2010 ـ 2011) إلى شروخ سياسية وجيوسياسية.

وتتعلق الانقسامات السياسية بالتطورات التي لحقت بالأنظمة التي اندلعت الثورات ضدها، بينما تتعلق الانقسامات الجيوسياسية بتوازن القوى في جميع أنحاء العالم العربي.

في وقت مبكر من الانتفاضتين التونسية والمصرية، اتضحت 3 محاور جيوسياسية متميزة في الشرق الأوسط: محور معاد للثورة بشكل علني بقيادة السعودية والإمارات، ومحور إصلاحي إسلامي (مؤيد للجهات الثورية بما في ذلك الإخوان المسلمون) بقيادة تركيا وقطر، و”محور المقاومة” (مقاومة الولايات المتحدة و”إسرائيل”)، وتجسده إيران وسوريا و”حزب الله”.

التحيزات السياسية والاستراتيجية

مثل روسيا، كان المحور المضاد للثورة ينظر إلى الانتفاضات العربية على أنها تهديد، بسبب صعود الإسلام السياسي، في حين دعم المحور الإصلاحي الإسلامي هذه الظاهرة وحارب من أجل انتصار الإسلام السياسي في العالم العربي.

بينما، رحب الإيرانيون صراحة بالربيع العربي، لأنه استهدف في البداية شركاء الرياض الأساسيين.

يعطي النزاعان المسلحان الليبي والسوري فارقا دقيقا لهذه المواقف. ففي حين حاول “محور المقاومة” الحفاظ على الوضع الراهن، فإن محور “الرياض ـ أبوظبي” تماشى مع محور “أنقرة – الدوحة” لصالح الإطاحة بـ”معمر القذافي” في ليبيا، و”بشار الأسد” في سوريا. وفي الحالة الأخيرة، كانت النية الرئيسية للسعودية هي كبح النفوذ الإيراني في المنطقة.

في الواقع، تأسست هذه المحاور على التحيزات السياسية والاستراتيجية، وليس على الاعتبارات الدينية، فليست المعارضة بين السنة والشيعة هي التي تحدد الانقسامات الجيوسياسية للشرق الأوسط.

لم يتم تعريف محور “الرياض ـ أبوظبي” من خلال الرغبة في الدفاع عن السنة، ولكن من خلال قربه من واشنطن، وميله إلى تطبيع العلاقات مع “إسرائيل”، وعدائه لإيران (التي تهم الرياض أكثر من أبوظبي) وانعدام الثقة الكبير تجاه جماعة “الإخوان المسلمين” (التي تهم أبوظبي أكثر من الرياض).

في يوليو/ تموز 2013، حققت السعودية والإمارات انتصارا كبيرا في مصر مع الانقلاب ضد الرئيس محمد مرسي (من جماعة الإخوان المسلمين) وصعود الرئيس عبدالفتاح السيسي، مهندس الثورة المضادة في مصر، والقمع الذي قاده ضد جماعة “الإخوان المسلمون”، كان مدعوما وعلى نطاق واسع من الرياض وأبوظبي.

غموض المملكة السعودية

في سوريا، أنقذ التدخل العسكري الروسي النظام وجعل محاولات الإطاحة بـ”الأسد” غير مجدية. وبدا أن هزيمة السعودية في سوريا أصبحت نهائية في أبريل/ نيسان 2018، عندما استسلم وكلاؤها في “جيش الإسلام” بعد معركة الغوطة الشرقية.

يُظهر دعم السعودية لجماعة سلفية أيضا غموض الرياض فيما يتعلق بالإسلام الإسلامي. ففي حين تُظهر العداء لجماعة “الإخوان المسلمون” بسبب طابعها العابر للحدود، فإن بعض الجماعات السلفية المحلية في مصر وسوريا يجري دعمها من قبل السعودية.

عندما يسقط السعوديون والإماراتيون

بعد 8 أشهر من هزيمة الجماعات المتمردة في الغوطة الشرقية، أعادت الإمارات فتح سفارتها في دمشق وأعلنت بشكل واضح -على عكس حليفتها السعودية- تفضيلها “السلطوية والاستقرار” في سوريا.

اليوم، يواجه محور الرياض ـ أبوظبي صعوبات في ليبيا. تدعم الإمارات ومصر -وبدرجة أقل المملكة السعودية- “خليفة حفتر”، الذي يتحدى السلطة القانونية المعترف بها دوليا لحكومة فائز السراج (الوفاق الوطني)، المدعومة من تركيا والتي سجلت انتصارات هامة خلال الأسابيع الماضية.

تحالف ضعيف

بالرغم من التقارب الحقيقي بين الرياض وأبوظبي والذي كان ملحوظا في عام 2011 عندما بدأت الاحتجاجات في البحرين، وفي 2013 في مصر وحتى في عام 2017 بمقاطعة قطر، والعلاقة الشخصية القوية بين ووليي العهد “محمد بن سلمان” و”محمد بن زايد”، فإن الدولتين ليستا على الأجندة نفسها.

في السنوات الأخيرة، يبدو أن الإمارات قررت إعادة تحديد أولوياتها، والتي تبدو متناقضة أحيانا.

تواصل أبوظبي الدفاع عن الاستبداد ضد محاولات التحول الديمقراطي والإسلام السياسي، ولكن في الخلفية يبدو تقارب خفي مع إيران. وتهدف الإمارات أيضا إلى تطوير شبكة بحرية، حتى لو كان ذلك يعني تعزيز الانفصال في اليمن وأرض الصومال.

وفي اليمن، تقلص الائتلاف بقيادة المملكة السعودية ضد اليمن، وبعد أكثر من خمس سنوات من العدوان، فإن حكومة صنعاء في وضع أقوى، ولم يعد هناك أي شك في هزيمة المملكة السعودية ومعسكر الفار هادي” الموالي لها.

وأثناء لعبها ببطاقة مكافحة الإرهاب وإلقاء اللوم على حكومة المرتزقة -والسعوديين بشكل غير مباشر- لاستيعابهم حزب “الإصلاح” التابع لـ”الإخوان المسلمون”، دعمت الإمارات الانفصاليين الجنوبيين الذين يسيطرون على عدن.

وفي أبريل/ نيسان ذهب الانفصاليون إلى حد إعلان الحكم الذاتي للمقاطعات الجنوبية.

باختصار، لم تعد المملكة السعودية تسيطر على اليمن، فالشمال والجنوب يسيطر عليهما الحوثيون والانفصاليون على التوالي.

سياسة خارجية كارثية

وتحمل محاولة أبوظبي للاستقلال جزئيا عن تحالفها مع الرياض عواقب جيوسياسية ملحوظة، فقد وصلت المواجهة بين الإمارات وتركيا إلى حرب باردة بصورة تشبه بشكل كبير ما عليه الوضع بين السعودية وإيران.

في نهاية المطاف، فإن نتائج تحالف العدوان السعودي الإماراتي في العالم العربي ليست مشرقة للغاية وليست مثمرة، والانقلاب على “مرسي” في مصر هو “النصر” الوحيد الذي يمكن الاعتراف به لهذا التحالف فعليا.

وبالنسبة للسعودية، فإن نتائج سياستها الخارجية كارثية، فقد غادرت العراق، وهُزمت في سوريا، وتراجعت في لبنان، وشهدت كارثة في اليمن، وأخطأت في تقدير استراتيجيتها في ليبيا.

وكان دور “بن سلمان” كمنظم مهرجانات أفضل بكثير منه كاستراتيجي.

______________
أدلـين محمدي
“ميدل إيست آي” البريطانية
“الخليج الجديد”