المشهد اليمني الأول/

فرضت الجغرافيا السياسية وصراع الجماعات البشرية على الثروة والنفوذ عبر التاريخ، أن تكون منطقة شرق المتوسط في قلب الأحداث الدولية، وأن تكون ساحة الصراع الدولي.

كان من الطبيعي أن يُجابَه التدخل الدولي على الدوام بأشكال مختلفة من المقاومة، استناداً إلى أن كل الشعوب والأقوام عبر التاريخ لا تقبل الغزاة والأغيار والظُلّام، وأخذت هذه المقاومة أشكالاً مختلفة: دينية أو قومية أو عشائرية أحياناً، استناداً إلى مستوى التطور التاريخي والبنى التي تشكل النسيج الاجتماعي لشعوب المنطقة، ودور الزعامات ومصالحها، لترتقي بعد مخاضات عديدة إلى المستوى الوطني العام، ولتضع أسس تشكل الهوية الوطنية الجامعة.

إن الدور الذي لعبته تلك المقاومة أدى في سياق التطور التاريخي وخصوصاً خلال القرن الماضي، إلى جانب عوامل أخرى، وأدى إلى تشكل نموذج الدولة الوطنية، الذي يعتبر مرحلة تاريخية هامة رغم كل الملاحظات على هذا النموذج، والمآل الذي وصل إليه.

المقاومة في ظل (الاستعمار الجديد)

المقاومة، هي رد موضوعي على الاحتلال والاستعمار، وكل أشكال الظلم، ولكل مرحلة تاريخية نموذج من المقاومة يناسب طبيعة هذه المرحلة؛ ففي مرحلة الاحتلال العسكري المباشر جُوبه المستعمر بالشكل العسكري، وأشكال أخرى من الاحتجاجات الشعبية المساندة والداعمة لها، ومع آليات الاستعمار الجديد التي سادت بعد الحرب العالمية الثانية، كان من المفروض أن ترتقي المقاومة إلى مستويات أعلى، وأن يتم التأسيس لمقاومة شاملة، عسكرية واقتصادية وسياسية وثقافية وإعلامية، وهذا ما لم يتم مع الأسف، لأسباب يتضح الآن بأنها تتعلق في العُمق بالتراجع الذي حدث في العملية الثورية العالمية،

وطبيعة القوى الاجتماعية التي تبوأت السلطة في بلدان حركة التحرر الوطني، والآمال التي بُنيت عليها، وعلى أهمية كل موقف سياسي يرفض هيمنة المركز الإمبريالي الأمريكي، إلّا أن هذا الموقف السياسي الرافض لم يؤد إلى النتيجة المطلوبة في التحرر الكامل والناجز، لأنه لم يقترن ويُستكمل بالنضال من أجل الانفكاك عن آلية الاستعمار الجديد في النهب؛ فالتجربة الملموسة تبين بأنه رغم زخم النضال الوطني التحرري سياسياً وشعبياً في الكثير من بلدان الأطراف بعد الحرب العالمية الثانية، فإنها ظلت تعيش حالة تبعية اقتصادية لذاك المركز، ولم تعمل القوى الحاكمة على الانفكاك عن منظومة التبعية إلّا باستثناءات قليلة. وهذا ما جعلها على الدوام تحت رحمة الدول الغربية عموماً، وواشنطن خصوصاً.

المقاومة اليوم

إن التمرد على الدولار كعملة أساسية في النشاط الاقتصادي والمالي الدولي، يعتبر حجر زاوية أساس لأي فعل مقاوم ضد منظومة الهيمنة الاقتصادية الأمريكية، وأداتها الأساس- الدولار- وخصوصاً في ظل الأزمة الرأسمالية العالمية، لا سيما، وأن الإمكانية باتت متوفرة وواسعة للسير بهذا الاتجاه، بعد أن وضعت القوى الدولية الصاعدة الأساس المادي لذلك من خلال تنشيط التجارة البينية بالعملات الوطنية.

إن الدول الرأسمالية الصاعدة- ونظراً لحجم قطاع الدولة الكبير في العملية الاقتصادية، وفي ظل جشع ونهم قوى رأس المال المالي- مدفوعة بحكم مصالحها الوطنية، إلى الخروج من شرنقة الدولار المأزوم، إما بإيجاد عملة عالمية بديلة، أو اعتماد أشكال متطورة من المقايضة في التبادل، أو أي إبداع آخر يزيح الدولار عن التحكم بسوق النقد الدولي، ويعتبر الانخراط في هذا التوجه العالمي الجديد معياراً أساساً في ظروف اليوم لجدية وجذرية الفعل المقاوم.

من مفارقات المشهد السياسي الراهن، أن العديد من الدول التي تُقدم نفسها على أنها في مواجهة مع المشروع الغربي عموماً، والأمريكي خصوصاً، ما زالت تلهث وراء علاقات اقتصادية ومالية مع هذا الغرب، رغم أن هذا اللهاث لا يعني إلّا المزيد من التبعية، والمزيد من الاستنزاف، وهو ما يفرض السؤال عن الخلفية الحقيقية لمثل هذا التناقض، وماهية هذه المفارقة السياسية، في دول مثل: سورية وغيرها؟

اسأل عن الكومبرادور

في ظل شكل التطور الاقتصادي الاجتماعي والسياسي لبلدان الرأسمالية الطرفية، نمت شريحة طبقية ترتبط مصالحها بشكل مباشر مع السوق الرأسمالية الغربية، وهي على علاقة وجودية مع هذا الغرب، فاستمرار وجود هذه الشريحة من عدمه، يرتبط إلى حد كبير باستمرار هذا المستوى من العلاقات الاقتصادية مع الغرب، والتكيّف مع منظومة التبادل اللامتكافئ، ومن هنا فإن أي فعل مقاوم جدّي يجب أن يبدأ من تصفية ركائز التبعية وحواملها المحلية في هذه البلدان، وهذا ما لا يسمح به- كما يبدو- توازن القوى الداخلي في ظل غياب وتغييب الجماهير العريضة من ساحة الفعل السياسي، بحكم المستوى المتدني من الحريات السياسية.

إن شعوب البلدان الطرفية وقواها الحيّة مضطرة إلى خوض المعركة على جبهتين: جبهة سياسية، وربما عسكرية مع المشروع الأمريكي، أو أدواته من قوى الإرهاب. وفي الوقت ذاته جبهة مع الكومبرادور المحلي، باعتباره هو الآخر أداة محلية لا تقل خطراً عن الفاشية الجديدة؛ فإذا كانت داعش أداة التدمير العسكري المباشر، فإن الكومبرادور كان أداة التدمير الناعم والمديد، فوظيفة داعش ليست سوى استكمال المشروع النيو ليبرالي المعمم، الذي كان الكومبرادور حامله الاجتماعي وعرّابه المحلي، سواء من خلال علاقاته مع البرجوازية البيروقراطية وتقاسم النهب معها في مرحلة الفساد التقليدي، أو بعد تحول البرجوازية البيروقراطية نفسها إلى شريحة رجال أعمال، وسادة سوق، وتبني نموذج ما سمي اقتصاد السوق الاجتماعي، وما جلبه من خصخصة كأعلى مراحل الفساد.

دون ذلك- أي: دون خوض المعركة على جبهتين، ومهما كانت درجة الخلاف السياسي مع المشروع الأمريكي- فإن الموقف الوطني في هذه الحالة لا يتجاوز عتبة الوطنية الشعبوية التي لا تغير شيئاً، لا بل ستبقى هذه البلدان محكومة وعاجزة عن أية مواجهة واقعية، وعلى كل حال باتت شريحة الكومبرادور في مأزق تاريخي وجودي، فلا هي تستطيع الانفكاك عن التبعية، ولا هي قادرة على إدارة التوازن الاجتماعي داخل البلاد بالطريقة السابقة، في ظل مشروع الفوضى الخلاقة، بمعنى آخر: انتهى دورها التاريخي.

بين النوايا والواقع الموضوعي

المسألة هنا ليست مسألة حكم على النوايا، بل تكمن في حقيقة المصالح الطبقية للشرائح الاجتماعية المحلية، ودورها وموقعها في ظل المشروع النيو ليبرالي المعولم، فلا يمكن مواجهة هذا المشروع المركزي، بنسخة ليبرالية محلية، لأن الثاني امتداد موضوعي للأول، وابن شرعي له، والأول في ظل أزمته العميقة، مضطر أن يستنزف كل حوامله وأتباعه في بلدان العالم بشكل نهائي، ولعل هذا ما يُفسّر حالة الفوضى الشاملة السائدة في ساحات عديدة في عالم اليوم.