المشهد اليمني الأول/

تم التخلي عن الناقلة “الأكثر أمانا” وعلى متنها 1.14 مليون برميل من النفط الخام منذ بداية الحرب القائمة في اليمن, وتأمل الأمم المتحدة أن تتمكن من إرسال مجموعة من الخبراء في أغسطس المقبل للحيلولة دون حدوث تسرب نفطي محتمل.

بقلم: كاري نوتون (صحيفة “لو موند” الفرنسية – ترجمة: محمد السياري-سبا)

من الواضح أنه بات من الوشيك استحالة الحيلولة دون تشكل تكتلات نفطية خطيرة حول ناقلة النفط “صافر”، التي تقطعت بها السبل منذ بداية الحرب التي اندلعت في اليمن في العام 2015، والتي تقبع قبالة سواحل منطقة خاضعة لسيطرة الحوثيين وعلى متنها 1.14 مليون برميل من النفط الخام.

وفي حال تم تأكيد حدوث مثل تلك التكتلات، فلا شك أنه ستواجه هذه الدولة المنكوبة بشكل خاص والمنطقة بشكل عام تسرباً كارثياً للنفط قد يتسبب في تدميرها بيئياً واقتصاديا وإنسانيا.

كانت الناقلة المملوكة للحكومة اليمنية والتي تم استخدامها لتخزين النفط الخام الوارد من خط أنابيب يقع تحت سطح البحر، ولكن تم الاستيلاء عليها من قبل الحوثيين في وقت لاحق عقب وصولهم إلى سدة الحكم, ومما يزيد من سوء الوضع أنه لم يتم إجراء أي عملية صيانة لتلك الناقلة على مدى الخمس سنوات الماضية.

وهي عبارة عن حاوية ذات هيكل بسيط مثبت في درجة حرارة عالية وفي مياه شديدة الملوحة”، على حد تعبير جون راتكليف، مدير مكتب الأمم المتحدة المختص بشؤون الشرق الأوسط وتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، الذي أضاف قائلاً: “إن مخاطر التآكل عالية للغاية، ناهيك عن أن هيكل الناقلة قد بلغ من العمر أربعة وأربعين عاما فضلاً عن أنه كان من المفترض أن يتم إخراج الناقلة من منظومة العمل منذ ما يربو على عقدين ماضيين”.

1.6 مليون يمني يعتاشون فقط من الصيد!

بات من الجلي أنه ما من أحد قادر على تقديم المبررات المناسبة لعدم التحرك بالجدية المطلوبة من قبل الأمم المتحدة تجاه مثل تلك الكارثة الوشيكة.

وما من أحد من أفراد المجتمع الدولي يجهل خطورة التوصيف الذي أطلقته المنظمة على تلك الناقلة منذ ما يقرب من عام، حيث تم اعتبارها ك”قنبلة موقوتة عائمة”.

وفي هذا الإطار قال مارك لوكوك، الأمين العام المساعد للشؤون الإنسانية في الأمم المتحدة، في جلسة لمجلس الأمن في 15 يوليو الجاري: “هذه هي المرة الخامسة عشرة خلال خمسة عشر شهراً التي تحدثت فيها عن الناقلة (صافر) وما تحمله في باطنها من مخاطر كارثية لا يحمد عقباها”, وليس هنالك من يغفل عن التهميش المتعمد لعملية إرسال خبراء مختصين من قبل الأمم المتحدة في منتصف صيف العام 2019، في حين يتم ملئ أجندة المجلس بقضايا أخرى، فضلاً عن أن جائحة فيروس كورونا التي اجتذبت كامل اهتمام وتركيز الدبلوماسيين، ولاسيما البريطانيين منهم، في حين أنهم هم من يصوغون القرارات المتعلقة بالشؤون اليمنية.

ومن المؤسف أن أولئك الدبلوماسيين لم يكونوا ليحركوا ساكناً لولا المستجدات التي طرأت، حيث باتت المياه تغمر كامل غرفة محركات الناقلة، الأمر الذي دفع بهم في نهاية المطاف، في أواخر الشهر الماضي، للدعوة إلى جلسة طارئة لدراسة القضية عن قرب وبكامل تفاصيلها.

في 27 مايو الماضي، بدأت مياه البحر تغمر غرفة محرك الناقلة الأمر الذي تسبب في حدوث بعض التسربات, ولذلك عمدت شركة صافر النفطية لعمليات الاستكشاف والإنتاج التي يسيطر عليها الحوثيون، إلى إرسال عدد من الخبراء والغواصين الذين قاموا بالعمل لمدة ثمانية وعشرين ساعة تحت الماء وعلى مدى خمسة أيام.

إلا أن ذلك لم يكن كفيلاً سوى بإغلاق الهيكل بشكل مؤقت نظراً للتأثير الشديد الذي تحدثه ملوحة البحر على بدن السفينة.

ووفقاً للتقارير الصادرة عن منظمة الأمم المتحدة، وفي حال تم تأكيد مثل ذلك التسرب النفطي، فمما لا شك فيه أن ذلك سيحمل العديد من التأثيرات الخطيرة والمباشرة على حياة 1.6 مليون يمني يعتمدون على الصيد كمصدر وحيد للعيش.

ومن المعلوم للجميع أن 90٪ من أفراد الشعب اليمني يعتمدون بالفعل على المساعدات الإغاثة الإنسانية منذ اندلاع الحرب على أراضيهم.

وفي هذا الصدد قالت انتصار ناصر، المستشارة السياسية للبعثة اليمنية لدى الأمم المتحدة، مؤكدة على تلك الحقيقة: “إذا حدث تسرب نفطي كبير، فستكون تلك بمثابة أخطر كارثة تمر على اليمن منذ العام 2015, ومن البديهي أن يدفع ذلك بنا نحو إغلاق المنطقة بأكملها بما في ذلك ميناء الحديدة الذي يمثل النقطة الوحيدة في الوقت الحالي لمرور جميع المساعدات الإنسانية والإغاثة المقدمة من قبل المجتمع الدولي”.

نظام بيئي فريد من نوعه:

من المؤكد أن البحر الأحمر يحظى بأهمية كبيرة على المستوى المحلي والدولي من الناحية التجارية والسياسية والبيئية.

وهذا ما ركز عليه إنجر أندرسن، مدير برنامج الأمم المتحدة للبيئة، محذراً “من أن التنوع البيئي الغني للغاية في البحر الأحمر يوشك على الدخول في منعطف تاريخي قد يفضي نحو الانهيار والتلاشي كلياً”؛ وفي جلسة عقدت الأسبوع الماضي أمام مجلس الأمن الدولي، أضاف قائلاً: “ليس من المستغرب أن تكون هنالك خطوات ضرورية ومعقدة للعمل على حل مثل تلك المشكلات، ولكن ينبغي ألا يتم ادخار أية جهود من شأنها أن تجنبنا كارثة بيئية حقيقية وشيكة؛ ومن الأهمية بمكان التركيز على عدم تخصيص جهود كبيرة ووقتاً طويلاً لإجراء بعض التشخيصات التقنية او حتى بعض الإصلاحات الطفيفة التي من البديهي انها لن تفي بالغرض على المدى الطويل, وعلينا هنا أن ندرك جيداً الأبعاد الاقتصادية والإنسانية والتجارية التي ستطال الجميع في حال وقوع مثل تلك الكارثة”.

وبالفعل لم تمض سوى أيام قليلة حتى سارع الحوثيون للإعلان عن موافقتهم على السماح لخبراء الأمم المتحدة التقنيين بدخول الجزء الذي يسيطرون عليه من المياه الإقليمية.

وفي السياق ذاته، بات مجلس الأمن معتاداً على التقلبات السياسية غير المتزنة التي يبديها الحوثيون على الدوام، الأمر الذي حدى بأعضاء المجلس إلى الرد على موافقة هذا الأخير من خلال التصريح ببيان رسمي: حيث أعلن فيه السفير الألماني، كريستوف هيوسن، عن ترحيب المجلس بالإعلان الصادر من جانب الحوثيين، ونوه بأن المجلس يتوقع الحصول على العديد من الضمانات بما في ذلك السماح بطريق آمنة إلى الناقلة لتسهيل الوصول غير المشروط كي يتمكن الخبراء التقنيون التابعون للأمم المتحدة من القيام بإعداد التقييم المناسب والسليم للناقلة وكذلك تقديم التوصيات اللازمة بشأن الإصلاحات العاجلة المحتملة أو حتى استخراج النفط بشكل آمن إن لزم الأمر.

في حال تمت المصادقة من قبل الحوثيين على ما جاء في ذلك البيان الاممي فمن المتوقع أن يتم إرسال الخبراء للقيام بالمهام الموكلة إليهم في أغسطس القادم.

وفي هذا علق جون راتكليف موضحاً: “ليعلم الجميع بأن الفريق يضم خبراء من عدة دول، وهم ليسوا مقيمين في دولة واحدة؛ ولا بد من توفير وسيلة نقل آمنة ومناسبة لتقوم بنقلهم من جيبوتي إلى الموقع المطلوب”.

هنالك الكثير من الشكوك والحذر لدى كلا الطرفين، وهو أمر مبرر بالنسبة للجانب الأممي الذي لطالما كان يفاجئ بتقلبات مزاجية لدي الجانب الآخر؛ ومن ذلك ما حصل في العام الماضي حيث عمد الحوثيون إلى إلغاء موافقتهم على إرسال تقنيي الأمم المتحدة قبيل مغادرتهم من جيبوتي بفارق يوم واحد فقط دون حتى أن يكلفوا أنفسهم عناء تقديم وتوضيح المبررات والأسباب الداعية إلى مثل ذلك التصرف الأرعن.

وفي يونيو الماضي، طلب الحوثيون ضمانات بإصلاح السفينة واستخدام قيمة النفط الموجود على متنها لدفع رواتب موظفيهم, ولكن في الأسبوع الماضي كان رد الحكومة اليمنية الشرعية تجاه شروط الحوثيين بالسلب موضحة بأنه ينبغي تخصيص قيمة ذلك النفط للعناية بالشعب اليمني من الناحية الصحية لاسيما وأن البلد لا تزال تعاني من أسوأ أزمة إنسانية يمر بها العالم.

* المادة الصحفية تم ترجمتها حرفياً من المصدر وبالضرورة لا تعبر عن رأي الموقع.