المشهد اليمني الأول/

من يرهن بنيته التحتية والمعلوماتية والأمنية لدولة أخرى، لا يستطيع الهروب من هيمنتها، مهما بلغت ذروة الابتزاز والإذلال وامتهان السيادة، لا خلاف بين المحللين السياسيين على أن الاتفاق الثلاثي الإسرائيلي الأمريكي الإماراتي، القاضي بتطبيع العلاقات الرسمية والكاملة مع “الكيان الإسرائيلي”، هو مصلحة الكيان الإسرائيلي تخص نتنياهو بالذات في صراعه مع خصومه الداخليين، ومصلحة أمريكية تخص ترامب في معركته الانتخابية، إذ تسمح له بأن يظهر وكأنه رجل سلام، وأنه مخلص لـ”الكيان الإسرائيلي” في نظر الصهيونية الإنجيلية، وأضيف أن في الأمر مصالح استراتيجية بعيدة المدى.

اللافت للانتباه أن الإعلان عن هذا الاتفاق الثلاثي جاء في اتصال هاتفي مفاجئ من دونالد ترامب إلى نتنياهو مباشرة، من دون المرور بالقنوات الدبلوماسية؛ اتصال فاجأ شركائه في الحكم، ومنهم وزير الخارجية غابي أشكنازي ورئيس الحكومة البديل بني غانتس. تحولت المحادثة الثنائية إلى محادثة ثلاثية شارك فيها محمد بن زايد ولي العهد الإماراتي، وهذا يعني أن السطوة الأمريكية على الحكام العرب تقطف ثمارها في التوقيت المناسب، ووفق المصلحة الأمريكية الإسرائيلية.

وعليه، انصاع محمد بن زايد إلى الضغط الذي مارسه عليه ترامب، وهذه هي اللغة التي يمارسها حكام الخليج العرب، فما الغريب إذاً بأن يفهموها وينصاعوا لها؟

أما على الصعيد الداخلي الإسرائيلي، فلا بد من أن نلاحظ أن بنيامين نتنياهو لا يعير أي أهمية للاتّفاقيات التي يوقعها حتى مع حلفائه في حكومة مشتركة، فكيف إذاً سيحترم اتفاقيات يوقعها مع أعدائه السابقين أو مع شركاء فُرِضَ عليهم التوقيع على اتفاقية مُذلّة؟

أما على صعيد المضمون، فلا بد من أن نؤكد أن الاتفاق الثلاثي لا يلغي الضم، بل “يؤجله” أو “يعلقه” إلى حين، وأن الاتفاق الثلاثي والتأجيل يأتيان في سياق “صفقة القرن” التي تحتم قبول العرب بالأمر الواقع منطلقاً لأي عملية تسوية، أي القبول بالاحتلال، وهو لا يشترط التطبيع الرسمي والكامل مقابل أي شرط، سوى أنه مكافأة لتأجل الضم الوارد في “صفقة القرن”.

شخصنة الاتفاق الثلاثي

أما النص الشاهد على ذلك، فيمكن فهمه الواضح من خلال قراءة الفقرة قبل الأخيرة في مسودة الاتفاق الثلاثي، والمنشورة باللغتين العربية والإنجليزية، والتي تشيد بجهود الرئيس ترامب للوصول إلى سلام وفق خطة المعروفة.

والأنكى من ذلك تصريحات نتنياهو المتعجرفة خلال مؤتمره الصحافي القصير مساء الخميس، والذي قال فيه: “أنا”، وعاد كلمة “أنا” عدة مرات، مَن بَذل الجهود لسنوات طويلة، و”أنا” أقنعتُ الإدارة الأمريكية بإمكانية حصول ذلك، وأن الاتفاق مبني على أساس “السلام مقابل السلام”، وهي المعادلة التي أرادها نتنياهو وترامب، بدلاً من معادلة “الأرض مقابل السلام” التي أقرتها الأمم المتحدة أساساً لكل الاتفاقيات الممكنة، وهي أساس الاتفاقيات الفلسطينية الإسرائيلية والعربية الإسرائيلية أيضاً.

ليس هذا فحسب، بل قال نتنياهو إن الاتفاق يأتي عكس كل ما طالبت به جهات إسرائيلية “يسارية” وأخرى دولية، ادعت أن السلام مع الدول العربية لا يمكن أن يحصل من دون السلام مع الفلسطينيين أولاً، وأن إقامة الدولة الفلسطينية شرط للتطبيع، كما تقول المبادرة العربية. “إنه سلام من موقع العظمة”، قال نتنياهو، ومؤسس على “تعاون اقتصادي”، مؤكداً أن ثماره الأولى هي استثمارات إماراتية كبيرة جداً في “الكيان الإسرائيلي” تساعدها في أزمتها الاقتصادية الحالية. إنه “السلام الاقتصادي” الذي روج له نتنياهو لسنوات طويلة يأتيه على طبق من ذهب.

ماهي المصلحة الإماراتية

يبقى السؤال: ما هي المصلحة الإماراتية؟ أو ما هي الأسباب التي جعلت الإمارات تقبل بهذه الصفقة المتساوقة مع “صفقة القرن”، والمناقضة لما يسمى “مبادرة السلام العربية”؟ وأسئلة أخرى نأتي عليها لاحقاً.

لكي نجيب على هذا السؤال، لا بد من مراجعة العلاقات الإسرائيلية الخليجية عامة، والعلاقات مع الإمارات خاصة. وهنا، لا بد من الكشف، لأول مرة، عن علاقات سعودية إسرائيلية على أعلى المستويات بدأت في العام 1995، برعاية السفير المصري في “الكيان الإسرائيلي”، السيد بسيوني، وفي بيته في هرتسليا بالذات، حضرها صحافي فلسطيني ما يزال يحتفظ بصور ذلك اللقاء حتى اليوم، من دون نشرها.

وقد شارك في اللقاء الأمير سلمان، وهو الملك سلمان حالياً، ورابين وزوجته ومساعده، إضافة إلى السفير المصري وزوجته والصحافي الفلسطيني.

وتناول الحديث ضرورة تطوير العلاقات بين “الكيان الإسرائيلي” وأنظمة الخليج العربية، والاستفادة من التكنولوجيا الإسرائيلية والاستثمارات الخليجية. من هناك بدأت المسيرة، وكل ما حصل بعد ذلك من علاقات علنية أو سرية كانت برعاية سعودية ووساطة مصرية. هذا ما جعل السيسي أول رئيس عربي يبارك الاتفاق الثلاثي المذكور، وجعل نتنياهو يقول إن دولاً عربية وإسلامية أخرى ستنضم إلى مسيرة التطبيع هذه.

أما في خصوصية الإمارات، فنذكر أن موقع “ذي ماركر” الاقتصادي الإسرائيلي نشر في الأول من نيسان/أبريل 2017 تقريراً عن رجل الأعمال الالكيان الإسرائيليي شموئيل بار، الذي عمل في المخابرات لمدة 30 عاماً انتهت في العام 2003، ليتفرغ لأعماله الخاصة، فأقام شركة باسم “intuview” لتطوير برنامج تكنولوجي، بمساعدة فريق من العلماء الإسرائيليين، يتابع وسائل التواصل الاجتماعي والمراسلات الهاتفية، ليكشف عن تهديدات “إرهابية” و”تآمر” محتمَلَين، وعن اللغة التي يستخدمها “الانتحاريون” في فيديوهات الوداع التي يسجلونها مسبقاً.

يضيف التقرير، نقلاً عن لسان بار، أنه قبل سنتين (في العام 2015)، اتصلت به شخصية كبيرة من السلطة السعودية، ودعته إلى البحث في تطوير برنامج مشابه لقصف/ مراقبة برامج “سكايب” و”تويتر” لصالح السعودية.

لا مشكلة، أجاب بار، ولكنه اضطر إلى إقامة شركة خاصة في دولة أجنبية ليخفي بذلك هويتها الإسرائيلية، بسبب غياب العلاقات الرسمية بين “الكيان الإسرائيلي” والسعودية، ثم تطور المشروع ليشمل متابعة آراء ومواقف أبناء العائلة الحاكمة في السعودية، واستطلاعات الرأي العام في مواقف العائلة السعودية الحاكمة.

ويقول بار لكاتب التقرير: “لم أسعَ إلى ذلك، بل هم من اتصلوا بي”، ويضيف: “إن التعاون الأمني والتجارة بالتكنولوجيا الأمنية مزدهران بين الكيان الإسرائيلي وأنظمة الخليج العربية، حتى لو كانوا لا يتحدثون عن ذلك علناً. حدث أنني تناولت الغداء في لندن مع شخصية خليجية، وقبل ذلك بساعة واحدة، لم أستطع أن أشارك في المؤتمر العلمي الذي شاركت فيه الشخصية الخليجية ذاتها منعاً للإحراج”.

لماذا الإمارات بالتحديد؟

في التقرير ذاته، يقول أريئيل مرغليت، رجل الأعمال المتخصص في تكنولوجبا المعلومات، ورئيس حزب العمل الأسبق: “في العام 2012، عندما تعرضت شركة أرامكو السعودية لقصف السايبر، استعانت السعودية بالخبراء الإسرائيليين، ومنهم من لا يزال على علاقة مستمرة مع السعودية. هذه العلاقات تحظى بسرية كاملة، ولكن تعاظم الصفقات مع 6 دول خليجية على الأقل لا يسمح بالحفاظ على سريتها”.

مثال على ذلك، يقول مرغليت، “مستثمر واحد أنشأ شركة في أوروبا والولايات المتحدة، وأقام بنية تحتية أمنية للإمارات العربية المتحدة بكلفة 6 مليارات دولار، بمساعدة مهندسين إسرائيليين. شركات أخرى تعمل في الخليج، بما في ذلك الإمارات، في مصانع تحلية المياه، وفي الدفاع عن البنية التحتية، ودفاعات السايبر، وجمع المعلومات، تحت أسماء أجنبية”، وهو أمر مكلف لهذه الشركات. وهنا تأتي المصلحة بجعل العلاقة بين “الكيان الإسرائيلي” والإمارات تحديداً رسمية ومباشرة. وإذا ما أخذنا بالاعتبار أن دبي مركز تجاري دولي، ويمكن أن تشكل منصة متقدمة للصناعة الإسرائيلية المتقدمة، يمكن أن نفهم لماذا الإمارات تحديداً قبل السعودية.

يخطئ من يعتقد أنها اتفاقيات مؤقتة لن تدوم. لا بالتأكيد، فمن يرهن بنيته التحتية والمعلوماتية والأمنية لدولة أخرى، لا يستطيع الهروب من هيمنتها، مهما بلغت ذروة الابتزاز والإذلال وامتهان السيادة، إذا ما وُجدت هذه السيادة أصلاً! ولدينا من النماذج والعلاقات الاقتصادية الأقل شأناً في العلاقة الإسرائيلية المصرية، والإسرائيلية الأردنية، والإسرائيلية الفلسطينية، ما يكبّل الطرف العربي حتى يعجز ولو عن الأنين من شدة الألم.

هذه نماذج فقط من العلاقات الاقتصادية والاستثمارية بين “الكيان الإسرائيلي” وأنظمة الخليج العربية الغنية بالأموال. تحتاج “الكيان الإسرائيلي” إلى هذه الأموال الكبرى للاستثمار في تطوير صناعاتها لمواجهة التقدم العلمي والتكنولوجي الإيراني، وكذلك يحتاج حكام الخليج إلى “الكيان الإسرائيلي”، وهم يرون في إيران تهديداً لعروشهم إذا ما غزت بلادهم تكنولوجيا إيرانية، وبالتالي يرون نفوذاً إيرانياً لن يبقي من سلطنهم إلا الكراسي الذهبية أو المرصعة بالأحجار الكريمة والمجوهرات.

فرصة للتطبيع

هذا ما تدركه “الكيان الإسرائيلي” وأمريكا، وتعملان على تعزيز مخاوف دول الخليج. “الكيان الإسرائيلي” وتركيا، يتنافسان على السيطرة والهيمنة على سوق استهلاكي من 350 مليون عربي، ولكنه سوق متخلفة صناعياً وعلمياً، بسبب حكام لا همَّ لهم إلا عروشهم وكروشهم.

تعمل الولايات المتحدة على مساعدة “الكيان الإسرائيلي” في هذا التنافس الكبير والاستراتيجي، فأمريكا ستخرج من الشرق الأوسط للتفرغ لأعدائها الكبار، مثل الصين وروسيا، فهل تترك حلفاءها العرب، المتخلفين علمياً وتكنولوجياً، فريسة للعلوم والتكنولوجيا الإيرانية أو التركية أو لحليفتها “الكيان الإسرائيلي”؟

لتحقيق الاستقرار الذي تريده الدول الغربية الاستعمارية عامة منذ مؤتمر كامبل – بنرمان بين العامين 1905 – 1907 وحتى اليوم، وخصوصاً الولايات المتحدة، بصفتها أكبر دولة استعمارية وراعية لـ”الكيان الإسرائيلي”، بعد توجهها شرقاً، لا بد من تأمين الهيمنة والتفوق الالكيان الإسرائيليي على العرب، والمسلمين عامة، بل جعل الأنظمة العربية رهينة بيد “الكيان الإسرائيلي”، من خلال تحكمها بالبنية التحتية الأمنية لهذه الأنظمة، وهذا ما تفعله الولايات المتحدة اليوم، من خلال توقيع اتفاقيات إسرائيلية عربية في سياق هذه الاستراتيجية. ومن هنا تأتي المباركة الغربية لمثل هذا الاتفاق الثلاثي ومثيله في المستقبل.

هذا الاتفاق الثلاثي يأتي في اليوم الذي يتوجّه فيه ديفيد هيل إلى لبنان، في محاولة لاستغلال وضعه المأساوي، وإجباره على ترسيم الحدود البحرية مع “الكيان الإسرائيلي” لصالح الأخيرة. وربما في هذا الاتفاق الثلاثي رسالة إلى الفلسطينيين واللبنانيين معاً بأن أمريكا هي صاحبة القرار في الشرق الأوسط، وما عليكم إلا الانصياع لأوامرها، وهذا يعني القبول بالأمر الواقع، وبالهيمنة الإسرائيلية المستدامة، بحماية أمريكية فاعلة.
ـــــــــــــــــــــ
أليف صباغ