المشهد اليمني الأول

المشهد اليمني الأول/

تجرّع شعب الأحساء والقطيف على مدى عقود من الحكم والسيطرة السعودية على مناطق شبه الجزيرة العربية مرارة الظلم والاضطهاد، وقاسوا ويلات الحرمان الاقتصادي والتنموي والتمييز المذهبي الطائفي والتهميش السياسي، وهم يعيشون في أغنى منطقة خاضعة للحكم السعودي.

حيث آبار النفط والغاز والإطلالة الاستراتيجية على الخليج، والتماس الحدودي مع البحرين وقطر وعمان والكويت والعراق والأردن. وفي السادس من محرم 1400هـ الموافق 25 نوفمبر 1979 انفجر طوفان الغضب الشعبي في انتفاضة جماهيرية عارمة واجهتها السلطات السعودية بوحشية وشراسة.

فدفعت بالحرس الوطني ومشاة القوات البحرية وراحت تحصد أرواح المتظاهرين بالرصاص الحي من الأرض والجو عبر مروحيات “الهليوكوبتر”، فقتلت نحو 30 متظاهراً وجرحت المئات واعتقلت ما يزيد على 1200 متظاهر. في هذا التقرير نتناول جذور هذه الانتفاضة وبواعثها، وشعاراتها ومنطلقاتها ومطالبها التي أرعبت نظام الحكم السعودي.

يترقّب النظام السعودي مراسم إحياء عاشوراء مع بداية شهر محرم من كل عام للانقضاض على المواطنين الشيعة في البلاد.

هلع النظام غير المبرر يلاحق أهالي القطيف والأحساء الذين ينتظرون الموسم بشوق لإحياء ذكرى استشهاد الإمام الحسين (عليه السلام)، إذ تجد القوات السعودية ترصد وتطارد كل نشاط سلمي لممارسة الشعائر الحسينية، من قبيل إحياء مآتم العزاء، توزيع الطعام، ورفع الرايات السوداء، وهي عادات دأب الأهالي على ممارستها منذ زمن طويل للتعبير عن حبهم ووفائهم لأهل البيت (عليهم السلام).

وفيما يلي سنحاول تفسير بعض ممارسات السلطات السعودية الهادفة إلى منع إحياء الشعائر الحسينية في القطيف والأحساء، خاصة وأن لشهر محرم ذكرى مرعبة بالنسبة النظام السعودي، وهو شهر الانتفاضة الخالدة التي عمّت أرجاء المنطقة الشرقية عام 1400هـ الموافق لعام 1979م.

تهجم القوات السعودية على أماكن إحياء الشعائر الحسينية، خلال الأيام الأولى لشهر محرم في كل عام، إذ تقوم بنزع الرايات السوداء واللافتات التي خطّ عليها شعارات عن عاشوراء، ثم تتجه لهدم مضائف الطعام، واعتقال الخطباء والرواديد، ولا تفرج عنهم إلا بعد تقديم تعهد بعدم المشاركة في إحياء المآتم الحسينية، بالإضافة إلى تهديد الشبان، لثنيهم عن المشاركة في مسيرات العاشر من محرم.

سعار القوات السعودية غير المفهوم، في شهر محرم، يحيلنا إلى الماضي، وتحديداً لانتفاضة محرم 1400هـ/ 1979م في القطيف. هذا العام شكّل عقدة لبني سعود تجاه الشيعة، وتحديداً تجاه ذكرى إحياء عاشوراء. عقدته هذه أُضيفت إلى عقدته الوهابية الأولى الموجودة في الأصل، فانتهى به الأمر أمام عقدة مركبة حيال أحد مكوّناته الشعبية.

وعملياً ثمة استحالة الانفكاك منها. ما حدث في انتفاضة محرم هو أن الأهالي مارسوا عاشوراء، وبتعبير أوضح أخرجوا مفاهيمها ومنظومتها القيمية إلى حيّز التطبيق العملي، وهو حراك كان كفيلاً بفضح فجور النظام السعودي المتلبّس برداء الإسلام، أو التأسيس لإسقاطه لو كتب له النجاح. وبالرغم من أن الانتفاضة أُخمدت بعد أيام من اندلاعها فإن العقدة لا تزال قائمة، بل تشتد وتزداد شراسة مع كل محرم. فما سبب ذلك؟

بدايةً، يعلم النظام السعودي أن لذكرى عاشوراء هالة ساحرة تجذب جميع المسلمين، وبالأخص الشيعة. سبب هذه الهالة لا يعود إلى كون معركة كربلاء التي قتل فيها الإمام الحسين (ع) و72 من أهله وأصحابه، هي واقعة ملحمية تثير العواطف فحسب، إنما في كونها واقعة سياسية بالدرجة الأولى.

حتى مشاعر الحزن التي تنتاب الحاضرين في مآتم الإحياء السنوية، تدفع بأصحابها نحو القضايا السياسية والاجتماعية، يكون ذلك من خلال حنكة الخطباء الذين يعلّمون الناس كيف يعيشون عاشوراء ويحيونها حتى لا تتحول مشاعرهم إلى عواطف عابرة، فطالما أنه لكل عصر يزيد يجب أن يواجهه حسين. الإمام الخميني تحدث في هذا الصدد عما يسمى البكاء السياسي.

أي كان يحذر بشدّة من أن تتحول عاشوراء لمجرّد مشاعر تفتقد لأي دلالة سياسية واجتماعية قادرة على إنتاج واقع أفضل. ففي كتابه “نهضة عاشوراء”، قال: “ولا تظنوا أن الأمر مجرد بكاء وحسب، أبداً، فالقضية سياسية اجتماعية، ولو كان الأمر مجرد بكاء فقط فلم التباكي؟! لا يظنوا أننا مجرد شعب بكّاء فإننا شعب تمكن بواسطة هذا البكاء والعزاء من الإطاحة بنظام عمّر 2500 عام” (ص 83، 21)، ولذلك يخشى النظام السعودي من عاشوراء.

بالإضافة إلى ذلك، تحمل عاشوراء عاملاً آخر يثير رهاب بني سعود، وهو أن المجالس والمواكب التي تعد أبرز الشعائر الحسينية، تربط الجماهير ببعضها البعض، تحركهم، تلم شمل جميع شرائح المجتمع تحت راية الانتصار للحق والثورة على الظلم.

تخلق أجواءً دافئة من التعاضد والتضامن بين الناس، حين يصبح الطعام والشراب بالمجان وللجميع دون أي شرط، حين تنهال الصدقات بأنواعها المادية والعينية على الفقراء والمحتاجين، حين تنصهر جميع الاختلافات ليجتمع الناس حول قضية واحدة هي قضية الحسين (ع)، وهو الأمر الذي من شأنه وضع اللبنة الأولى لحركة جماهيرية منظمة.

فكيف لذلك كله ألا يُزعج نظاماً يحكم وفق مبدأ فرّق تسد، وهو الذي عمد إلى زرع التحريض الطائفي بين المسلمين على امتداد العالم الإسلامي كي يحدث شرخاً دامياً في صفوف الأمة، شرخاً يعيقها عن التفكير والعمل للأبد، يقودها نحو الجهل بحبال العصبيات الجاهلية عبر استخدام لوازم تكفير الشيعة، وتسفيه شعائرهم ومحو آثارها؟!

إن ذكرى عاشوراء تعري النظام الإسلامي الحالي في “السعودية” وتفضح زيفه وتلحّفه بغطاء الإسلام الذي يبعد عنه كل البعد، وتروّج لمفاهيم الإسلام المحمدي الأصيل. إنها توقظ روح المواجهة في أعماق الناس الذين أسكرهم القمع والظلم، فيندفعون إلى مواجهة إمبراطورية الشر.

وذلك ينحسب أيضاً على كافة مآتم أهل البيت (ع)، فالإمام محمد الباقر أوصى ولده الإمام جعفر الصادق بأن يقيم مجالس عزاء على روحه الطاهرة في موسم الحج بعد استشهاده لعشر سنوات متتالية. الإمام تعمد اختيار الحج لأنه المكان الذي يجمع أكبر عدد من المسلمين سنوياً.

وبالتالي سيُخلق مأتم الإمام حالة من توحيد الناس على اختلاف مشاربهم وأطيافهم، ويوجّه طاقاتهم نحو حكم النظام الفاسد والظالم. ولذلك نفهم اليوم لماذا يحارب النظام السعودي بشدّة ذكر أي مسألة سياسية خلال الحج، بما في ذلك القضية الفلسطينية والمجاهرة برفض الاحتلال الأمريكي والصهيوني.

لا شيء يعطي النظام السعودي الحق بقمع إحياء الشيعة لمراسم عاشوراء، ولا شيء يبرر التعامل بوحشية مع الأهالي لفض التجمعات السلمية، حتى لو كانت تحمل في مضامينها شعارات ومعاني تخيفه. وأساساً خوفه منها هو أول دليل على لا شرعيته وعدم أحقيته بالحكم. طبعاً لا ننتظر من النظام السعودي أن يتعامل بديمقراطية مع الأهالي في القطيف والأحساء.

هذا النظام مارق لا أمل منه. إنما تعويلنا على كل من فهم عاشوراء، الذكرى التي تخيف النظام في “السعودية”، كما أخافت قبله نظام الشاه في إيران ونظام صدام حسين في العراق… وللانتفاضة تتمّة.

_______
زينب فرحات