المشهد اليمني الأول/

وضع عضو المجلس السياسي الأعلى محمد علي الحوثي رؤية رؤية للدور المأمول من مجلس النواب في مواجهة العدوان والحصار.

الرؤية

بسم الله الرحمن الرحيم

رؤية للدور المأمول من مجلس النواب في مواجهة العدوان والحصار

تمهيد

مع استمرار العدوان الأمريكي البريطاني السعودي الإماراتي وحلفائه على بلادنا منذ ما يقارب الست السنوات، وما يرافقه من حصار بري وبحري وجوي مطبق أضر إضراراً بالغاً بمختلف الشؤون الحياتية لليمن، حتى كاد أن يأتي على كل مقومات الحياة، على مرأى ومسمع من العالم كله دون أن يحرِّك ساكناً، بالإضافة إلى التخاذل أو التواطؤ الأممي الواضح والمكشوف، فإننا نقدّر الدور الوطني المشرّف لمجلس النواب ممثلاً برئاسة المجلس وأعضائه وكوادره.

واستمراراً في تعزيز جهود مجلس النواب الوطنية، رأينا أن نعرض عليه بعض الرؤى والمقترحات المتعلقة بالقضية الوطنية لإثرائها بالنقاش، في إطار مواجهة المستجدات التي أحاطت ولاتزال تحيط باليمن جرّاء العدوان والحصار.

وذلك لتعزيز وتنشيط الدور الوطني لمجلس النواب في إطار مواجهة شعبنا العزيز الصامد الشاملة والمستمرة للعدوان والحصار، واستمراراً لمواقف المجلس الوطنية الملموسة خلال الفترة الماضية، وبالأخص تلك المراسلات والبيانات والخطابات والتنديدات بالعدوان الموجهة للمنظمات الدولية والإقليمية وفي مقدمتها مجلس الأمن الدولي والأمم المتحدة، والبرلمانات الغربية والإقليمية والدولية.

وفي الحقيقة فإن ما تطرقنا له في هذه الرؤية من نقاط هو نموذج، وعملنا على الاختصار بدلاً عن الإسهاب فيما هو صميم عمل المجلس، وهذا جزء مما نراه مسؤولية علينا ومشاركة بعدد من العناوين لبعض المحاور والمواضيع التي ارتئينا طرحها على المجلس.

وإلا فالأصل ـ والمعول عليه ـ أن المجلس سيقف عليها ويبلور محاورها ويثريها بالنقاش الهادف، كونه ممثلاً للشعب ومنتخباً من قبله، في ظل إدراك حقيقة أن الجميع في السلطتين التشريعية والتنفيذية يعملون في ظروف استثنائية، الأمر الذي يحتم على الجميع تقدير الظروف المعاشة في ظل العدوان والحصار وانقطاع الموارد المالية ونقل البنك المركزي.

وفي هذا الصدد ومن خلال تقييمنا للعلاقة الحميمة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية فإننا نقدر الانسجام بين المجلس والحكومة، وتقديرهما للوضع الذي يعاني منه الجميع، ونشد على أيدي الجميع الاستمرار في هذا التوجه الوطني والعمل المسؤول.

الدور الحالي

صحيح أن مجلس النواب لديه حراك جميل حاليا، لكنه ينصب على الحكومة، وليس على دول تحالف العدوان والحصار التي هي سبب كل المشاكل والمآسي والفشل في بعض القطاعات، ولو أنه سار في الاتجاه الصحيح المطلوب حالياً لكان حراكاً قانونيا ومسموعا، فمجلس النواب هو سلطة من سلطات الدولة التي يجب عليها أن تظهر مواقف الجمهورية اليمنية وشعبها وأن تدافع عن ثوابتها.

ومن حق الشعب على المجلس أن يدافع عنه، وأن يكون صداه بوجه المعتدين والغزاة الذين اعتدوا عليه وحاصروه وسببوا له كل هذه المآسي، وبحيث ينظر الشعب اليمني إلى مجلس النواب ـ من حيث الوطنية ـ أنه مجلس وطني يتحرك في القضايا التي يحس بها ويتحدث عنها، بدلا عن الحديث عن الحكومة هذه التي يعلم الناس أن لا حول لها ولا قوة وأنها محاصرة من كل الاتجاهات.

الدور المأمول

يجب أن تكون أولويات المجلس هي أولويات الشعب، بما يعنيه ذلك من الاستمرار بمواجهة العدوان الكوني الذي يعتدي على الشعب اليمني، والعمل على استعادة كل أراضي اليمن المحتلة، وذلك من خلال العمل على تقوية عوامل الصمود بوجه العدوان، والحرص على توفير كل ما يمكن لتحقيق هذا الهدف وفق الإمكانات المتاحة والظروف الموضوعية الناتجة عن العدوان والحصار الذي يتعرض له الوطن.

يجب أن تعكس أعمال مجلس النواب مواقف الصمود الشعبي، ويكون هذا بأن يرتفع صوته ممثلا لنبض الشعب الصامد، وآماله وأحلامه، إذ لا ينبغي أن يترك المجلس الآخرين هم فقط من يتحدث.

يجب أن يعكس مجلس النواب صورة حقيقية عن إرادة الشعب اليمني، ليقدم دليلا إضافيا على أن إرادة الشعب أقوى من العدوان والحصار، وأكبر من كل المؤامرات على اليمن، وأن اليمن كبير بصمود شعبه وجيشه وقيادته، وأن قلبه النابض بالحياة لن يتوقف.

يجب أن يلعب المجلس دوراً رائداً في مواجهة العدوان العسكري والحصار الاقتصادي والسياسي، فهناك شواهد كثيرة للعدوان والحصار، والأضرار فادحة في كافة القطاعات، بعضها استهدف الشعب اليمني مباشرة وبعضها استهدف منشآته الحيوية وبناه التحتية.

يجب جمع معطيات الواقع ومواجهة البرلمانات الأخرى بها وتحميلها المسؤولية للضغط على حكوماتها لوقف العدوان والحصار، ويجب السعي لكسب تضامن البرلمانات الحرة في الدول الأخرى أو البرلمانيين الأحرار فيها، وتشكيل جبهة موحدة في مواجهة تحالف العدوان.

لا ينبغي أن يسهم المجلس في إشاعة الروح الانهزامية لدى البعض من أبناء المجتمع، ولا ينبغي للنائب أن يتأثر بالأمزجة السلبية التي يطرحها بعض المرتزقة أو غير الواعين، فيعمم الطروحات الانهزامية بعد كل التضحيات، فأجساد الجرحى ودماء الشهداء ليست بالمجان، فلها ثمن هو الصمود ومن ثم الانتصار.

يجب أن يكون النائب في مجلس النواب مقاتلاً يقاتل دول العدوان ومرتزقتها تحت قبة البرلمان، فالبعض من النواب انخرطوا إيجابياً بشكل مباشر ـ خلال السنوات الخمس من العدوان ـ في أنشطة عسكرية أو أمنية، ويجب أن يكون الجميع مقاتلين مستشعرين للمسؤولية جنباً إلى جنب مع الجيش واللجان وإن بشكل غير مباشر من تحت قبة البرلمان.

يجب أن يستشعر البرلماني المسؤولية، وأن يكون واعياً بالواقع السياسي والتحديات التي يواجهها الوطن والمواطن، وأن يتفهم طبيعة عمله، وأولويات دوره، ليتم تصويب العمل فيكون الهم الوطني أولوية لديه.
كـيــف؟

إن مما يعزز عوامل الصمود هو أن يسود لدى السلطتين التشريعية والتنفيذية القناعة بأن مجلس النواب والحكومة في خندق واحد، ويشكلان فريق عمل واحد، وأن بوصلة نجاحهما يجب أن تكون هي المواطن، وأن بوصلة عدائهما يجب أن تتجه ضد العدوان الذي هو أشد ضرراً وخطورة على الوطن والمواطن، فهناك ضريبة غالية دُفعت وتُدفع يومياً من أرواح ودماء المواطنين لأجل سيادة الوطن، وهناك معاناة لتأمين لقمة العيش الكريم للشعب، ولكنها لا تتوفر إلا بتضحيات أبنائه في سبيل صون وطنهم وحماية حقهم في الحياة.

إن السؤال الصحيح الذي يجب أن يوجهه المجلس إلى الحكومة مع استمرار العدوان والحصار لما يزيد عن خمس سنوات هو كيف تواجهون الصعوبات؟ وكيف يمكن أن يتعاون المجلس والحكومة في التغلب عليها؟، لا أن يكون ما هو سببها أو من المتسبب بها؟ فمعلوم لدى الجميع أن سببها هو العدوان والحصار وأن المتسبب بها هي دول التحالف، فليس منطقياً أن يسائل وزير النفط عن سبب أزمة المشتقات النفطية خلال أربع وعشرين ساعة، في حين أن دول العدوان متبنية لها منذ بداية العدوان بمنع السفن النفطية ومحاصرتها.

إن كل ذلك يستوجب أن يتحول مجلس النواب من مجرد رقيب ومحاسب إلى شريك أساسي في مواجهة العدوان، ويكون ذلك بوضع مصفوفة مهام وأعمال تنفيذية لتفعيل دور المجلس بالتعاون مع الحكومة، من خلال العمل البرلماني الذي يعكس مواقف الدولة وثوابتها الوطنية.

فهو يمثل هذا الشعب الصامد ويحمل آماله لمستقبل أفضل، بحيث تناقش الملفات كاملة، وأن يأتي كل وزير ولديه ملف بجرائم العدوان والحصار في مجال عمل وزارته، والآثار المأساوية التي نجمت عنهما، وكيف تمت مواجهتها في ظل الظروف الناشئة عنهما بالمقارنة مع أوضاع وزارته في السابق.

ففي الجانب المالي ـ مثلاً ـ بدلاً من السؤال “لماذا لا تدفع الحكومة المرتبات؟ يكون السؤال هو “ما حجم الإيرادات التي كانت تسلم إلى المالية، وكم حجمها بعد العدوان والحصار؟”.

إن هذا السؤال ـ في الجانب المالي ـ سيفتح الباب للمجلس لأن يتحرك في القضايا التي يحس بها المواطن، القضايا التي يتحدث الناس عنها فعلاً، بدلاً عن الحديث عن الحكومة التي يعلم الناس أن لا حول لها ولا قوة وأنها محاصرة من كل الاتجاهات.

إن هذا السؤال سيفتح الباب أمام المجلس للوقوف على حقيقة الأوضاع التي تُسيِّر بها الحكومة أعمالها، وبقدر ما سيكشف صورة من صور الصمود الأسطوري فسيكشف مدى إجرام دول التحالف ومرتزقتها بحق الشعب اليمني، وسيكون ما يخرج به المجلس وثيقة تاريخية للشعب اليمني عبر الأجيال، وللعالم الحر وللشعوب المناضلة.

كما سيفتح الباب للمجلس لتناول كل المواضيع المتعلقة بالجانب المالي، كالمنافذ، وما يفعله المرتزقة من تهريب، والعملة، والجمارك، ومناقشة كل المواضيع المتاحة والمتعلقة بمجال الإيرادات.

كذلك سيفتح هذا السؤال المجال للمجلس لتناول موضوع الحصار وتوضيح المواد التي يفرض الحصار عليها، وقائمة المواد الممنوع دخولها التي وضعتها دول العدوان، فتتم مناقشتها وأسباب منعها، وتأثيرات منعها على الشعب اليمني.

فيستدعى الوزراء المعنيون كوزير المالية ووزير التجارة والصناعة للإيضاح بملفات متكاملة، يشرحوا كيف كانت الأمور وكيف أصبحت منذ بداية العدوان، كذا، وكيف كان الميزان التجاري، ولماذا توقفت الكثير من الأعمال والمهام والأنشطة؟ وكيف كانت الواردات وماذا نستورد الآن؟، وما هي الشركات التي كنا نستورد منها ثم توقفت انسجاماً مع العدوان؟، بحيث ندرجها في القائمة السوداء لئلا نتعامل معها عندما يتوقف العدوان.

وهذا يعني عقد مقارنات بين الإيرادات قبل العدوان وخلاله، وذلك بعقد مقارنات في مجال النفط الذي أشرنا إليه والذي كان إيراداً للدولة ثم أصبح لدى العدوان، وعلى ضوئه تأثرت الدولة في إيراداتها، وبالتالي في صرف مرتباتها، وفي تسيير أمورها في كافة المجالات، ليعرف الشعب أين هي أمواله، وما خطورة العملة المطبوعة التي يطبعها الأعداء والمرتزقة على الاقتصاد اليمني، وما كانت نتائجها، وما هي آثارها، ..الخ.

وفي الجانب الحقوقي ـ مثلاً ـ يأتي وزير حقوق الإنسان ومعه ملفات الجرائم، وتكون قبة البرلمان متنفساً لأبناء الشعب من ضحايا العدوان والحصار، للحديث عمّا تعرضوا له من جرائم وحشية، يتم استدعاؤهم أو أقاربهم، إما بحسب نوع الجريمة كاستهداف الصيادين أو المسعفين أو الأطفال ونحوهم، أو المحافظة التي وقعت فيها، أو بحسب التسلسل الزمني، أو للجرحى، أو أي ترتيب مناسب آخر، يحضرون إلى المجلس ويقدمون في المجلس شهاداتهم، ثم تناقش وتوثق، فهذا إجراء مهم لتثبيت تلك الجرائم والقضايا التي حدثت فعلاً، بدلاً من أن نترك المرتزقة يزايدون علينا بالكذب.

كما يمكن الاطلاع على أحوال الصيادين بالاستماع إليهم مع وزارة الثروة السمكية، ومعرفة كيف كانت معاناتهم قبل العدوان وخلاله أيضا.

كما يمكن ـ في الجانب الإنساني والسياسي ـ تناول مبادرات السلام التي تقدمنا بها، وآخرها الموسومة بـ “وثيقة الحل الشامل لإنهاء الحرب والحصار على الجمهورية اليمنية”، وإثبات أن الطرف الآخر لا يملك أي رؤية للسلام، فهو لم يقدم حتى مبادرة واحدة لإيقاف العدوان، بينما يتهمنا بأننا المعرقلون للسلام، ومن الضروري أن يكون للمجلس الدور الأبرز في كشف مثل هذه الحقيقة وتوضيحها.

وكذلك محاكمة القرارات الدولية وما تسمى المرجعيات ليكون المجلس هو المرجع عند الحديث عنها، وذلك بأن يحاكم مجلس النواب القرارات الدولية التي كانت موضوعة مثلاً في مجلس الأمن، وبأن يبت فيها بقرارٍ رسمي، يوضح فيه أنها لم تستند إلى كذا وكذا وأن الشرعية هي كذا وكذا.

كذلك الحال بالنسبة للمرجعية التي يتحدثون عنها كالمبادرة الخليجية، التي هي أصلاً قد نفذت بالكامل، فلا بد أن يقوم المجلس بالحديث عنها ودحض الادعاءات حول مشروعيتها، ليُسقط هذه الورقة من أيدي دول العدوان ومرتزقتها، فلا يعودون قادرين على الحديث عنها، بل سيكون موقفُ المجلس المرجعَ الذي يُستند إليه عند الحديث عنها.

وفي الجانب التشريعي يكون هناك تفعيل لدور المجلس التشريعي تعديلاً وتنفيذاً وإقراراً، وذلك بالبحث في القوانين الصادرة للنظر في الممكن تعديله مما قد اتضح أنه خطأ، لأننا حالياً في مرحلة لم يعد فيها سطوة ولا تدخل للمنافقين، ويمكننا خلالها أن نضع قوانين تحمي الشعب كله وتحافظ على ثروته بناءً وتأميناً لمستقبل الأجيال من خلال القانون، إما بالتعديل، أو بإظهار قوانين كانت مقرة للتنفيذ فنبدأ بتنفيذها، أو بإقرار قوانين جديدة.

ختاما.. إن انخراط المجلس في هذا التوجه بمصفوفة متكاملة من العمل له فوائد كثيرة، منها ما يأتي:

توعية المجتمع بحقيقة الدور الوطني العظيم الذي تؤديه الدولة في صنعاء، وبحقيقة عداء دول العدوان ومرتزقتها للشعب اليمني وحقدها عليه، وهذا يقوي التماسك المجتمعي في مواجهة العدوان والحصار، كما أن فهم المسؤولين لتلك الحقائق يجعلهم أكثر تفانياً لخدمة وطنهم وشعبهم.

توثيق مجلس النواب لمرحلة تاريخية صعبة واجه فيها الشعب كل هذه الضغوط يزيد من إيمان المجتمع بوطنية مجلس النواب، عندما يراه واقفاً إلى جانبه ومسانداً لقضاياه ومتحركاً فيما يريده وما يطمح إليه.

إن المواضيع كثيرة جدا وهامة جداً وفي حاجة إلى أن يكون للنواب فيها صوت مرتفع، وهذا هو الدور المأمول من مجلس النواب في مواجهة العدوان والحصار اليوم، ممكن أن نضعها هنا، ونضعها مثلاً في مجلس الشورى، إذا كان سيقدم استشارات معينة، عن كيف يمكن أن نتعاون في كذا وكذا، مجلس النواب ومجلس الشورى في الإطار العام.

محمد علي الحوثي
عضو المجلس السياسي الأعلى

25 ذو الحجة 1441 هـ
15 أغسطس 2020 م