المشهد اليمني الأول/

“حدود إسرائيل من الفرات إلى النيل”، هي لافتة منصوبة على مدخل الكنيست الإسرائيلي تتضمَّن وعد مؤسِّس الحركة الصهيونية “تيودور هرتسل” قبل 100 عام، وكل ما تفعله القوى العظمى في العالم منذ ذلك الحين إلى يومنا هذا هو تنفيذ ذلك الوعد.

وقد أثبتت موجة التطبيع الحديثة أنّ هذا الحلم الصهيوني التوسُّعي بدأ يتبلور فعلياً وواقعياً أمام أعين العالم العربي الممزَّق بالصراعات والنزاعات.

وبطبيعة الحال يعتبر اليمن جزءاً مهماً في معادلة التطبيع التي تتصدَّر الأجندة الصهيونية نظراً للأهمية الجيوستراتيجية لموانئه وجزره، وخاصة جزيرتي “سقطرى” و”ميون” وباب المندب الاستراتيجي، وكذلك ثرواته الطبيعية غير المستغلة، إذ يمتلك هذا البلد منافذ وثروات تؤهِّله ليكون لؤلؤة الشرق دون منازع، ولكن خمس سنوات من الحرب الطاحنة تحول دون حدوث ذلك.

تحجَّج تحالف العدوان السعودي – الإماراتي في بادئ الأمر عند تدخُّله في الحرب اليمنية في عام 2015 بحجّة دعم الشرعية ووضع حدّ للحوثيين المقرَّبين من طهران ودرء التهديد الإيراني.

وبعد ذلك انكشفت المساعي السعودية لإنشاء أنبوب لنقل نفطها عبر بحر العرب، وكذلك المساعي الإماراتية لشلّ ميناء عدن بهدف ضمان الريادة للموانئ الإماراتية، خاصة ميناء “جبل علي”.

لكن سرعان ما اتَّضح أنّ الإمارات تُمهِّد لمشروع إسرائيلي أكبر من خلال استيلائها على مساحات يمنية شاسعة، بما فيها جزيرة “ميون” وميناء “المخا”، مطلّة على مضيق باب المندب الاستراتيجي الذي يعتبر همزة وصل بين الشرق والغرب.

فوفقاً لبيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية (Energy Information Administration) يمرّ عبر هذا المضيق ما يتجاوز 6.2 ملايين برميل يومياً من النفط الخام ومشتقاته وحوالي 30 بالمائة من التجارة العالمية للغاز الطبيعي، بالإضافة إلى ما يفوق 10 بالمائة من إجمالي التجارة العالمية، وخضوع مثل هذه المنافذ الاستراتيجية للسيطرة الإماراتية – السعودية يعني أنّها في متناول الأيدي الصهيونية.

لذلك ليس من قبيل المصادفة أن يتعامل المجتمع الدولي بلا مبالاة مع الأزمة اليمنية، إذ يشير أحدث تقرير صادر عن الأمم المتحدة في 23 أيلول/ سبتمبر 2020، عن المساعدات الإنسانية، إلى أنّ 30 دولة فقط من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة تعهَّدت بمنح اليمن 1.35 مليار دولار فقط، على الرغم من المطالبة بمبلغ 2.41 مليار دولار لتلبية الاحتياجات الإنسانية للبلاد وما يفوق 80 بالمائة من سكانه، وسط تفاقم أزمته الاقتصادية وتراجع الريال اليمني الذي فقد ما يفوق 70 بالمائة من قيمته مقابل الدولار في السنوات الخمس الماضية و25 بالمائة من قيمته خلال العام الجاري لوحده.

إذ يعتمد الاقتصاد اليمني على أموال وكالات الإغاثة والمساعدات الدولية الشحيحة والودائع السعودية في البنك المركزي اليمني وتحويلات المغتربين المتواضعة، وحتى هذه المصادر آخذة في النضوب بسرعة كبيرة.

تحرص حالة الفوضى، التي تتغذَّى على الانقسام السياسي والتدخُّل الخارجي على بقاء الأوضاع المزرية على ما هي عليه الآن، فعلى مدى الأشهر الستة الماضية، واصل المبعوث الخاص للأمم المتحدة “مارتن غريفيث” جهوده للتوصُّل إلى حلّ مشترك بين الحكومة اليمنية والحوثيين، يتألَّف من وقف إطلاق النار واتِّخاذ تدابير اقتصادية وإنسانية واستئناف المشاورات السياسية للوصول إلى حلّ مستدام وحلّ سياسي قابل للتنفيذ في اليمن.

لكن لم يُبدِ أيّ طرف في هذه الأزمة أيّ استعداد لتقديم التنازلات واتِّخاذ زمام المبادرة لإحلال السلام، وهكذا يضمن تعطيل كلّ الخطوات الإيجابية لحلّ الصراع الاستمرار في طريق الحرب والدمار ومعاناة الشعب اليمني الذي من المفترض أن يعيش في رفاهية وينعم بخيرات بلاده.

لا يزال المجتمع الدولي متشبِّثاً بحجّة تقدُّم كل من الحكومة اليمنية والحوثيين خطوة واحدة نحو السلام ليكون أكثر سخاءً مع اليمن، باعتبار تلك الخطوة بمثابة الإشارة الضوئية الصحيحة التي ستنادي المانحين من جميع أنحاء العالم للقدوم لمساعدة هذا البلد المنكوب أولاً وقبل كل شيء بسبب التدخُّل والتمويل الخارجيين، لا سيَّما من الإمارات والسعودية اللتين تدفعان مقابل استمرار حرب اليمن أموالاً قد تقلّ عن الفاتورة الفعلية التي سيتمّ دفعها في حال ما عرف الاستقرار طريقه لليمن.

لأنّ اليمن السيّد بقراره والقوّي بدستوره والمزدهر بأبنائه والغنيّ بثرواته ينسف الرؤية الحديثة للتحالف الإماراتي السعودي، فهو يعني تراجع النفوذ الاقتصادي الإماراتي من خلال عودة الموانئ الإماراتية إلى حالة عدم الجدوى من جهة، واضمحلال الطموح السعودي الهادف إلى بتر أذرع النفوذ الإيراني في المنطقة والاستيلاء على مضيق باب المندب وتطويره لتحجيم دور وأهمية مضيق هرمز الواقع تحت السيطرة الإيرانية من جهة أخرى.

كذلك يعني اليمن المستقلّ قبل كل ذلك انحسار النفوذ الصهيوني، فالتحالف السعودي – الإماراتي مهما حلَّق عالياً بطموحاته لن يتجاوز تخطيط التحالف الإسرائيلي – الأميركي الذي رسم مسبقاً خريطة تضمن سيطرته على كل الممرّات المائية والجوية وحصوله على ثروات النفط والغاز، إن لم يكن بالمجَّان فسيكون بأقلّ الأثمان، والعمل على إجهاض أيّ محاولة لعودة الدب الروسي ونهوض التنين الصيني الذي يعتبر مضيق باب المندب نقطة استراتيجية في طريق الحرير المعروف باسم حزام واحد طريق واحد.

فقد تمكَّنت إسرائيل من إيجاد موطئ لقدم واحدة في منطقة جنوب البحر الأحمر وتحديداً في إثيوبيا وإريتريا وبقيت أمامها مهمة إيجاد موطئ لقدمها الثانية في جنوب اليمن بغية الإشراف على مضيق باب المندب لفسح المجال أمام السفن الإسرائيلية وتيسير الملاحة الصهيونية في هذه المنطقة.

وفشلت إسرائيل في احتلال جزيرة “ميون” اليمنية في مطلع عام 1969، لكنّها لم تفقد الأمل وخطَّطت بإحكام مع حليفتها أميركا لإعادة الكرّة ولكن بأسلوب عصري آخر يتمثل في تطبيع العلاقات سرّاً وعلانية مع جارتي اليمن، الإمارات والسعودية، اللتين ستقدِّمان هذه الجزيرة اليمنية لإسرائيل بدون عناء تحت غطاء الحماية الأمريكية.

خلاصة القول إنّ الحرص السعودي – الإماراتي على الإبقاء على ساحات القتال مفتوحة في جنوب اليمن من جهة والانخراط في عمليات تطبيع العلاقات مع إسرائيل من جهة أخرى يخدم بالدرجة الأولى المصالح الصهيونية والأميركية في المنطقة ويمهِّد الطريق لإنجاح مشروع إسرائيل الكبرى الذي يضع نصب عينيه مدينة “خيبر” السعودية أيضاً.
____
المصدر : العربي الجديد