المشهد اليمني الأول/

نشر معهد “بروكيغنز” الأمريكي دراسة أعدها الباحث “بروس ريدل” حول الوضع الحالي للمملكة العربية السعودية محلياً ودولياً بعد الأزمة الاقتصادية التي هاجمتها كتداعيات لتفشي فيروس كورونا، وكذلك بسبب سياسات محمد بن سلمان التي وصفها الباحث بالمتهورة والخطيرة.

وتناول “ريدل” في دراسته التسلسل الزمني الذي حول المملكة العربية السعودية من أهم حليف للولايات المتحدة إلى أكبر مصدر للخطر الذي يهدد جميع حلفائها قبل أعدائها، بل ويمثل تهديداً على استقرارها.

قال “ريدل” إن العلاقات الأمريكية السعودية تعود إلى عام 1943 حين طلب الرئيس الأمريكي آنذاك فرانكلين ديلانو روزفلت من ملك السعودية إرسال أبنائه للدراسة في واشنطن، وبالفعل استجاب الملك للطلب الأمريكي، ومنذ ذلك الحين والعلاقات الثنائية بين البلدين في تقارب مستمر.

وفي 1945 أبرم روزفلت صفقة بين بلده وبين السعودية في القاهرة كانت أهم بنودها أن تحصل الولايات المتحدة على إمكانية الوصول إلى موارد الطاقة السعودية مقابل توفير الولايات المتحدة الدعم لأمن السعودية في الداخل والخارج، وهو الإطار الرئيسي الذي ظل يحدد علاقة البلدين لعقود.

بحسب الدراسة، لم تشهد العلاقة بين البلدين أي عواصف أو اضطرابات إلا مرت قليلة استطاعت المصالح المشتركة التغلب عليها وتهدئة الأوضاع، كفترة الحظر النفطي بسبب الحرب مع إسرائيل عام 1973، وحرب الخليج عام 1991.

وكذلك الفترة التي تلت هجوم 11 سبتمبر، إلا أن العلاقة الجيدة التي استمرت طيلة 75 عاماً، تشهد اليوم تطوراً جديداً ومختلفاً بصورة جذرية -وفقاً لريدل، الذي أكد أن هذا التطور السلبي يعود في الأصل لسياسات محمد بن سلمان، ولي العهد السعودي، صاحب سلسلة من السياسات الخارجية المتهورة والخطيرة.

رأى “ريدل” أن ذروة تهور بن سلمان، الخطوة الكبرى في مشوار تدهور علاقات المملكة مع الخارج، تمثلت في عملية اغتيال جمال خاشقجي، الذي قُتل بصورة وحشية داخل القنصلية السعودية في إسطنبول، بأوامر مباشرة من محمد بن سلمان، وفقاً للتقارير الاستخباراتية والأممية التي حققت في الأمر. على الأقل كان بن سلمان على علم بتلك الجريمة.

وأكدت الدراسة أن المملكة العربية السعودية اتخذت في عهد بن سلمان مساراً مختلفاً تماماً لا يمكن وصفه سوى بالمسار الأرعن والمتهور، فالمملكة على مدى عقود كانت دولة حذرة للغاية تتجنب المخاطر أو الدخول في معارك سياسية ودبلوماسية، أو عسكرية، تفضل إنفاق أموالها على حل المشكلات الإقليمية بطريقة دبلوماسية وليس على الموارد العسكرية، إلا أنه مع بن سلمان، أصبحت سياسات المملكة غير منظمة، وكما وُرد أعلاه: متهورة وخطيرة.

ركز “ريدل” في بحثه على ثلاث تحولات رئيسية يرى من وجهة نظره أنها المعالم الأبرز في سياسات بن سلمان “المراهقة”، أهمهم كان التدخل العسكري السعودي في اليمن.

تُعتبر الحرب في اليمن اليوم أكبر كارثة إنسانية في العالم بلا شك، مخلفة عشرات الآلاف من القتلى المدنيين ومئات الآلاف من الأطفال الذي يعانون من أمراض ومجاعة، وأصبحوا بلا مأوى.

بدلًا من أن تصبح عاصفة سريعة وحاسمة، كما أطلق عليها محمد بن سلمان في البداية، تحولت إلى مستنقع يكلف المملكة العربية السعودية ميزانية كبيرة، وبدلاً من طرد ميليشيا الحوثيين الشيعة الموالين لإيران من العاصمة صنعاء ومدن أخرى، كما منحت الحرب إيران قاعدة أكبر على البحر الأحمر وعلى باب المندب، بل وفوق ذلك، لم تبذل إيران جهداً مالياً ولا عسكرياً لإحراز هذا التقدم.

الأكثر من ذلك

أن الداخل السعودي تأثر على كافة المستويات بسبب تلك الحرب، فبدلاً من فرض حصار على إيران، تتعرض المدن السعودية وكذلك البنية التحتية النفطية السعودية لهجمات منتظمة من قبل الحوثيين، وأحياناً من قبل الإيرانيين مباشرة بصواريخ كروز وطائرات بدون طيار.

لتجد المملكة نفسها الآن في موقف لا تُحسد عليه، فمن جهة فشلت في تحقيق أي انتصار في تلك الحرب، ومن جهة أخرى لا تستطيع إنهائها حيث اندفع إليها بن سلمان دون وضع استراتيجية تمكنه من التراجع وقتما يريد.

هذه الحرب هي بالكامل من صنع محمد بن سلمان، اندفع إليها قبل حوالي خمس سنوات دون تفكير في عواقب الأمور، وما يزيد الوضع تعقيداً الآن، أنه فقد حلفائه الذين كان يمكن أن يساعدوه على التراجع، حيث انسحب الإماراتيون من اللعبة، في كما أن العلاقات مع باكستان وعمان – الدول الأكثر نفوذًا في كيفية إنهاء هذا الصراع- ليست على ما يرام.

لم يعد لدى بن سلمان الآن أي خيار -كما يقول ريدل- سوى الاعتماد على الولايات المتحدة للتخلص من ورطة حرب اليمن، وهو دعم غير مضمون في ظل الظروف الحالية، فالإدارة الأمريكية تواجه ضغوطات داخلية وانتقادات دولية بسبب مساعدتها لابن سلمان في خلق أكبر كارثة إنسانية في العالم، ودعمها في شن حملة قاتلة ضد سكان أفقر دولة في العالم العربي.

المسألة الثانية التي ركز عليها “ريدل” في دراسته، والتي توضح “رعونة” بن سلمان بجدارة، هي مسألة حصار قطر الذي بدأ في 2017، حيث أعلنت السعودية مع الإمارات والبحرين بالإضافة إلى مصر، قطع العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية مع قطر، وفرض حصار جوي وبري وبحري ضدها.

هذا الحصار أضر هذا بشكل كبير بمجلس التعاون الخليجي، الذي أصبح ضعيفاً ومفككاً الآن، يعاني من الانقسامات التي قد تسمح لإيران بزيادة نفوذها داخله، وبالتالي في المنطقة العربية بأكملها.
للمرة الثانية تخدم سياسات وقرارات بن سلمان التوسع الإيراني!

المجال الثالث الدال على “فشل” سياسات بن سلمان الذي ركزت عليه الدراسة، كان حول أوضاع حقوق الإنسان داخل المملكة، واعتقال وقتل المعارضين أو بالأخرى منتقدي سياسات ولي العهد.

جمال خاشقجي

هو أبرز مثال على هذه المأساة فضلاً عن الجهود المبذولة لخنق المعارضة والمدافعين عن حقوق، والقضاء على المنافسين السياسيين المحتملين، كما حدث لولي العهد السابق محمد بن نايف في مارس/آذار الماضي.

واختتم “ريدل” دراسته بالتأكيد على أن المملكة العربية السعودية لم تشهد سجلاً أسوأ من الحالي ضد حقوق الإنسان، والفضل في ذلك يرجع لابن سلمان، والتي يرى أن الإدارة الأمريكية كانت داعماً رئيسياً له في تلك الانتهاكات.

وأوصى “ريدل” الولايات المتحدة بسحب الجزء الأكبر أو كل القوات الأمريكية داخل المملكة العربية السعودية اليوم، وتقليص برامج التدريب، وعدم بيع أسلحة جديدة، وتعطيل السلاسل اللوجستية لمبيعات الأسلحة المستمرة، حيث توفر الولايات المتحدة حوالي ثلثي الطائرات في سلاح الجو الملكي السعودي.

بينما تقدم المملكة المتحدة الثلث الآخر، مؤكداً أنه “حرفياً” إذا قطعت الولايات المتحدة والمملكة المتحدة الدعم اللوجستي، فسيتم إيقاف سلاح الجو الملكي السعودي، وبالتالي ستتوقف الانتهاكات السعودية “رغماً عنها.