المشهد اليمني الأول/

مع اقتراب موعد الانتخابات الأمريكية المقرر عقدها في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، تتصاعد توترات المملكة العربية السعودية من احتمالية فوز جو بايدن -المرشح بقوة للفوز بتلك الانتخابات- وذلك لتصريحاته الدائمة التي تشير إلى موقفه المعادي لممارسات النظام السعودي، الذي يتوغل في انتهاكاته بسبب دعم ترامب اللامتناهي له.

من بين أبرز القضايا التي تؤرق النظام السعودي، قضية مقتل جمال خاشقجي، تلك الجريمة الوحشية التي شوهت سمعة المملكة وخلقت لها مشاكل كبيرة مع العالم الغربي والحلفاء الدوليون الذين أدانوا الجريمة وحملوا النظام مسؤولية وقوعها، باستثناء ترامب الذي ظل يدافع عن محمد بن سلمان ونظامه ويتفاخر بذلك أمام وسائل الإعلام.

تسعى القيادة في الرياض الآن إلى تجاوز أزمة خاشقجي، خاصة مع اقتراب موعد إقامة قمة مجموعة العشرين التي ستستضيفها السعودية في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل بعد أسابيع قليلة من الانتخابات الأمريكية، حيث تهدف الحكومة السعودية إلى إقناع الولايات المتحدة والدول الأخرى بأن النظام السعودي قد قدم قتلة خاشقجي للمساءلة القانونية، إلا أن المحاكمة نفسها التي أُقيمت في الرياض لم تحقق العدالة ولم تقتص من الجناة بالشكل المطلوب.

أفادت وسائل إعلام سعودية حكومية في 7 سبتمبر/أيلول الماضي أن محكمة جنايات الرياض خففت أحكام ثمانية من المتهمين بقتل خاشقجي من الإعدام إلى السجن لفترات تتراوح بين 20 عاماً و7 أعوام، دون تسمية المتهمين أو الإفصاح عن هويتهم أو مكان احتجازهم، وقد صدر هذا الحكم النهائي بعد أن أعلن نجل خاشقجي في بيان صادر عن العائلة عفوهم عن خمسة من المُدانين، في تصريحات اعتبرها الكثيرون صدرت تحت ضغط وتهديد.

العدالة لم تتحقق

المحاكمات التي خضع لها قتلة خاشقجي كانت سرية، لم يُسمح لوسائل الإعلام حضورها، لم تُفصح عن أسماء المتهمين، كما لم تُعلن السلطات السعودية عن تفاصيل ما حدث فيها ليظل ما حدث لخاشقجي مجهولاً رغم استمرار المحاكمة لأكثر من عام.

بحسب الخبراء والمحللون، اتسمت هذه المحاكمات بعدم الشفافية، وافتقرت إلى أدنى المعايير الدولية للمحاكمات العادلة.

يفترض أن الثمانية الذين صدرت ضدهم الأحكام المُشار إليها أعلاه هم أعضاء الفريق الذي نفذ عملية القتل داخل القنصلية السعودية في إسطنبول أكتوبر/تشرين الأول 2018، ومع ذلك، هناك آخرون لهم أدوار رئيسية في التخطيط للجريمة ولا يزالون أحراراً دون مساءلة ولا محاكمات، أبرزهم على سبيل المثال، المستشار الإعلامي السابق لولي العهد الأمير محمد بن سلمان: سعود القحطاني، والذي طبقت عليه وزارة الخزانة الأمريكية في 2018 عقوبات على أساس دوره المزعوم في “التخطيط لجزء من العملية وتنفيذها”.

لم تتقاعس السلطات السعودية عن توجيه الاتهام إليه بارتكاب أي جريمة فحسب، بل إنه لا يزال يشغل مناصب رفيعة المستوى في الحكومة السعودية.

على حد تعبير أغنيس كالامارد، المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحالات الإعدام خارج القضاء، فإن هذا الحكم يُعتبر “محاكاة ساخرة للعدالة”، خاصة وأن السلطات السعودية أعطت حصانة لكبار المسؤولين وقامت بحمايتهم من التعرض لأي مساءلة قانونية، وفقاً لـ آدم كوغل من هيومن رايتس ووتش.

من جانبه صرح متحدث باسم وزارة الخارجية الألمانية أن المحاكمة تترك الكثير من الأسئلة التي تحتاج إلى إجابة كي تتضح الحقائق.

في كل الأحوال، لم تتحقق العدالة، بل جاء هذا الحكم دليلاً قوياً على عدم وجود رغبة حقيقية محاسبة أي شخص في المملكة على مقتل خاشقجي، ورغبة النظام في عدم كشف حقيقة ما حدث.

هذه الحقيقة تقودنا إلى الدور الكبير الذي قام به ترامب لمساندة النظام السعودي في التغطية على هذه الجريمة.

دور ترامب في إهدار حق خاشقجي

شكلت قضية خاشقجي عبئًا كبيرًا وصداعًا لإدارة ترامب، الذي تربطه بالسعودية مصالح مشتركة كثيرة، في نظره هي أكبر من هذه الجريمة الشنعاء.

السعودية بالنسبة للبيت الأبيض هي أكبر مشتر للأسلحة الأمريكية، كما تُعتبر أكبر حليف لترامب في حملة “الضغط الأقصى” التي يقودها ضد إيران، لذلك كان على ترامب فعل أي شيء ليتأكد من أن واشنطن والرياض يمكنهما العمل معًا دون أن تقوض قضية اغتيال خاشقجي هذه التعاون الثنائي.

في تعليقه حول الموضوع، رأى خليل جهشان، المدير التنفيذي للمركز العربي في واشنطن العاصمة أن الوصول إلى هذه الأحكام بهذه السرعة كانت، على الأقل جزئياً، نتيجة ضغط من إدارة ترامب، لضمان استمرار العلاقات الأمريكية السعودية على النحو الحالي.

لذلك رأى المسؤولون في إدارة ترامب أن إيهام الجمهور والمجتمع الدولي بتقديم الجُناة للعدالة عن طريق هذا الحكم السريع، سيسمح للعلاقات الثنائية بالاستمرار، خاصة وأن ترامب مثل محمد بن سلمان، كلاهما يرغب في تجاوز هذا الملف في أسرع وقت ممكن.

لا يخفى على أحد جهود ترامب المبذولة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2018 لحماية محمد بن سلمان من المساءلة حول جريمة مقتل خاشقجي، بل لقد تفاخر بذلك أمام وسائل الإعلام، حيث قال لبوب وودوارد من الواشنطن بوست “لقد أنقذت مؤخرته”، في إشارة لابن سلمان، مضيفاً أنه تمكن “من إقناع الكونغرس بترك [محمد بن سلمان] وشأنه، وكذلك إقناعهم بالتوقف عن ملاحقته”.

ومع ذلك، يدرك ولي العهد السعودي جيداً أنه إذا رحل ترامب، فمن الصعب أن يجد رئيس أمريكي آخر على استعداد لحمايته من مجلس المشرعين الذين سيواصلون ملاحقته العام المقبل، لأنه لن ينسى أحد في واشنطن أمر خاشقجي.

على النقيض من ذلك، قام عضو الكونغرس آدم شيف، الذي يشغل منصب رئيس اللجنة الدائمة للمخابرات في مجلس النواب، في 11 سبتمبر/أيلول المنصرم بالتأكيد أنه ” الديمقراطيون والجمهوريون في الكونغرس سيواصلون إصرارهم على تقديم قتلة خاشقجي للمساءلة والمحاسبة، وأنهم لن يتوقفوا عن مطالبة مدير المخابرات الوطنية بنشر تقييمه لتورط المسؤولين السعوديين في الجريمة”.

كما أعلن نائب الرئيس السابق جو بايدن العام الماضي في مناظرة مع خصومه الأساسيين، “أعتقد أن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان هو من أمر بقتل خاشقجي وتقطيع أوصاله”، كما صرح في وقت سابق بأنه سيوقف جميع مبيعات الأسلحة إلى المملكة العربية السعودية بسبب ضلوعها في ارتكاب العديد من الانتهاكات الإنسانية.

كما يؤكد العديد من الخبراء، منحت إدارة ترامب محمد بن سلمان الإحساس بأنه يستطيع الإفلات من العقاب والمساءلة عن أي جريمة كان يعلم أي زعيم سعودي أن ارتكابها يُعد مخاطرة كبيرة في حقبة ما قبل ترامب.

لا يقتصر هذا بالطبع على مقتل خاشقجي، ولكن أيضًا سلسلة أخرى من الجرائم والانتهاكات والقرارات المتهورة، بما في ذلك حصار قطر، واختطاف رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري عام 2017، والأزمة الدبلوماسية التي خلقتها الرياض مع كندا عام 2018.

إذا فاز جو بايدن في الانتخابات الأمريكية المقبلة، فمن المتوقع أن تتخذ العلاقات السعودية الأمريكية مساراً آخراً، حيث سيقوم بايدن لوضع خطوط حمراء لمحمد بن سلمان، وهو ما لم يفعله ترامب أبداً.

ليس من الواضح ما هي الخطوات التي سيتخذها بايدن لردع ولي العهد السعودي في حال ارتكب جرائم مشابهة لجريمة قتل خاشقجي في المستقبل، فضلاً عن تجميد مبيعات الأسلحة للرياض، أو التهديد بالقيام بذلك كوسيلة ضغط لاتباع مسار بايدن.

وهوما سيكون له تداعيات كبيرة على السياسة الخارجية السعودية، خاصة وأن المملكة لا تزال في حالة حرب مع المتمردين الحوثيين في اليمن، الحرب التي تسببت في خلق أسوأ كارثة إنسانية في العالم.