المشهد اليمني الأول/

إستمر الإستعمار البريطاني لـ جنوب اليمـن مئة وتسعة وعشرين عاماً، لم يخمد طيلتها النفس المقاوم ولم يستحل الأمر الواقع قدرا لا مناص منه. صحيح أن المقاومة كانت تضعف في بعض الفترات، لكنها كانت تشتد في فترات أخرى، وقد شبّهها الكثير من المؤرخين “بعملية تخطيط القلب” التي تتخذ مساراً متعرّجاً، وهي حالة صحيّة تعبّر عن الحياة والحيوية لأي مقاومة كانت.

ما بين رفض أبناء جنوب اليمـن للإستعمار وتمردهم عليه من جهة، وتصعيد الضغوط والترهيب ضدهم من جهة أخرى، تمخّضت العديد من حركات التحرر والمقاومة التي أنشأت في صورتها النهائية “الجبهة القومية لتحرير الجنوب المحتل”. ومن خلال هذه الجبهة، إنطلقت الشرارة الأولى من جبال ردفان إيذاناً ببدء التحرير، لتصل بعد ذلك إلى عدن وتمتد على كامل الجسد الجنوبي.

عمل الإستعمار البريطاني طوال فترة انتشاره في جنوبي اليمن على قمع الإنتفاضات المتعاقبة، لكن ثورة الرابع عشر من أكتوبر 1963م كانت الحاسمة، إذ حكمت على شمس الإمبراطورية العظمى بالغياب عن هذه الرقعة الجغرافية.

وقد تولّى المهمة كوكبة من القيادات الشابة، أبرزهم راجح لبوزة، وقحطان الشعبي، وأحمد قسوم، والتفًّ حولهم غالبية أبناء الشعب. أما الفدائيون، فقد كان أبرزهم خليفة عبد الله خليفة، الذي نفذ عملية فدائية في مطار عدن في العاشر من ديسمبر عام 1963م أدت إلى إصابة المندوب البريطاني “تريفا سكس” ومصرع نائبه “جورج هندرسن”، فضلا عن جرح خمسة وثلاثين مسؤولاً بريطانياً.

حاول الإستعمار البريطاني جاهداً أن يكبح الثورة في مهدها، إلّا أن محاولاته باءت بالفشل برغم استخدامه للقوة المفرطة التي انتقدها صراحةً أحد أعضاء مجلس العموم البريطاني. كما حاول الإستعمار شراء الولاءات وكسب السلاطين وقادة الرأي، لكنه فشل أيضاً في هذا الجانب.

ومع استمرار الكفاح بكل أشكاله السلمية والمسلحة، قبل الإنكليز في نهاية المطاف، الإعتراف بالمقاومة الشعبية مُمثّلةً “بالجبهة القومية لتحرير الجنوب” والحوار معها في جنيف. وعلى أثر ذلك، تقرر انسحاب الإستعمار البريطاني في 26 نوفمبر عام 1967م. وفي الثلاثين من الشهر نفسه جرى إجلاء آخر جندي وإعلان الإستقلال وقيام جمهورية اليمن الجنوبية الشعبية بعد احتلال طال 129 عاماً لـ جنوب اليمـن.