المشهد اليمني الأول/

في ظل استمرار العدوان على اليمن من قبل دول الاستكبار وعلى رأسها ثلاثي الشر المتمثل في أمريكا والسعودية والإمارات، يحتفل أبناء الشعب اليمني الأحرار الشرفاء بالذكرى الـ 57 لثورة الـ14 من أكتوبر، تلك الثورة التي خرجت للتحرر من المحتل والمستعمر البريطاني للشطر الجنوبي من اليمن.

والتي أشعل شرارتها ثلة من الثوار الأحرار والمناضلين الشرفاء، الذين ضربوا أروع الأمثلة في الدفاع عن الوطن، وسطرَّوا كل معاني البذل والتضحية والفداء، والملاحم البطولية في مقارعة المحتل والمستعمر البريطاني الذي أمعن في إجرامه وتسلطه وغيه.

مضى 57 عاماً على ثورة الـ14 من أكتوبر المجيدة في الوقت الذي ماتزال فيه المحافظات الجنوبية خاضعة للاحتلال السعودي الإماراتي الذي يمعن في جرائمه وانتهاكاته المستمرة بحق المواطنين من أبناء الجنوب، ويعمل عبر أدواته من المرتزقة على إعادة الاحتلال والاستعمار للجنوب، تحت يافطة مخطط قذر يسعى للقضاء على الوحدة اليمنية.

ويهدف إلى تمزيق اليمن وتقسيمه إلى دويلات واقاليم متنازعة ومتناحرة بما يضمن لها الحفاظ على مصالحها وتنفيذ أجندتها الاستعمارية والتهيئة، وتعزيز نفوذ أسيادهم الأمريكان وخدمة الصهاينة وتمكينهم من تنفيذ مخططاتهم وتحقيق أهدافهم في اليمن.

الاحتلال يعود من جديد

يخطئ من يقول إن المملكة البريطانية قد انهت مطامعها في احتلال اليمن ونهب ثرواته وخيراته، بعد إن احتلت واستعمرت جنوب اليمن في السابق، فهي لا تزال تطمح إلى استعمار واحتلال اليمن من جديد،

وبعد إن قدّم أحرار وثوار اليمن وقتها انتصاراً حاسماً، إلا أن الجغرافيا الاستراتيجية ظلت محل أطماع القوى المستعمرة والمحتلة، في مقدمها المستعمر القديم المملكة البريطانية، التي تتطلع اليوم في لحظة إعادة تشكيل المنطقة إلى حجز مكانها، بجانب الولايات المتحدة الأمريكية، واستعادة موطئ قدم إضافي في اليمن والسيطرة من جديد على المنافذ الاستراتيجية المائية وخصوصاً باب المندب.

واليوم تلعب بريطانيا عدة أدوار استعمارية على أكثر من صعيد وتشارك في العدوان على اليمن في مختلف المجالات السياسية والعسكرية والاقتصادية والإنسانية…الخ، إذ تشارك في العدوان عبر الصفقات التسليحية التي تبيعها للسعودية والإمارات وايضاً التدخل المباشر في العدوان ببعض العمليات العسكرية الجوية وكذلك الإشراف المباشر على العلميات العسكرية البرية والبحرية، وهذا يفسر أطماعها الاستعمارية المستمرة، والتي تأتي في محاولة بائسة لأن تستعيد هيمنتها ووصايتها على اليمن بشكل عام، وليس على جنوب اليمن فقط.

وبعد مضي سبعة وخمسون عاماً على انطلاق ثورة الـ14 من اكتوبر ضد الاستعمار البريطاني والتي تكاثرت فيها الأحداث وتغيرت الشخصيات وتبدلت المعادلات، إلا وانه للأسف الشديد فقد عادت لتستقر عند النقطة الصفر: جنوب اليمن تحت الاحتلال من جديد، يبدو الأمر أشبه ما يكون بإعادة عرض لشريط فيلم فيديو ظن البعض أنه بات طيّ النسيان.

وكل ما في الأمر أن الواقع اليوم في الجنوب يتحدث عن غازٍ ومحتل مخلص وأمين لسلفه، وحريص على تحقيق مصالحه وأهدافه الاستعمارية، ويظهر دوماً أنه ليس سوى أداة مكتوب في جبينها “مرتزق عميل” يجسد مظاهر عودة الغازي البريطاني، ومعه وريثه الأميركي، عبر أداتهما الإماراتي والسعودي.

هل أضحت المحافظات الجنوبية “محررة”!!

في ظل الخزعبلات التي توهم أبناء الجنوب أن المحافظات الجنوبية انها “محررة”، يتكرر المشهد اليوم في طابور طويل عريض من المنتفعين والمهادنين للمستعمر، الذين جسدوا معاني “الارتزاق” بكل ما تعنيه الكلمة من ارتزاق، فشركاء الثورة على الاستعمار البريطاني بعضهم بات مدافعاً شرساً عن الاحتلال الاماراتي والسعودي، ومزايداً عليه في التنظير لوجوده، في مفارقة أقرب إلى إثارة الإشفاق منها إلى السخط، فيما البعض الآخر من الأحرار الشرفاء ما يزال يسير في طريق المواجهة ضد الاحتلال.

وبعد مرور أكثر من نصف قرن من تلك الثورة الخالدة، فـان معاني التحرير والتحرر والنضال ضد الاستعمار قد رماها البعض في غياهب الجب وذهبت ادراج الرياح كما يظن أولئك الحمقى، إذ أن ما بقي من تلك الحقبة من مسميات الثورة والتحرر والنضال، قد أُعيد تدويرها اليوم تحت مسمى آخر هو “المقاومة الجنوبية”، ولو كانت “مقاومة” حقاً مقاومة لما وجدناها اليوم في خندق واحد مع المحتلين والمستعمرين الجدد، حيث أن هؤلاء المحتلين هم “محرِّرون”، وفق مقتضيات انقلاب المفاهيم وتبادل الأدوار.

الثورة مازالت مستمرة

قبل 57 عاماً انطلقت ثورة الـ14 من أكتوبر عام 1963م في جنوب اليمن ضد الاستعمار البريطاني وشق الثوار الأحرار الشرفاء طريقهم من أعالي قمم جبال ردفان بقيادة الثائر الشهيد راجح بن غالب لبوزة وثلة معه من الثوار الأحرار ضد القوات البريطانية، أولئك الثوار الذين استطاعوا انتزاع حريتهم وفرض كرامتهم من بين خشوم المستعمرين واسترجاع سيادة بلادهم من بين أيادي المحتلين.

وبمعنويات عالية ونفسيات قوية فقد خاضوا غمار التحديات وتغلبوا على الصعوبات بالرغم من شحة الإمكانيات في العدة والعتاد وقدموا التضحيات في سبيل حرية واستقلال الشعب والوطن، ذلك لأنهم كانوا يملكون الروح الثورية التي لا تقبل الضيم والهزيمة ولا ترضى بالاستعمار والهيمنة فلم يتوقف مشوارهم الثوري إلا بعد تحرير الجنوب اليمني من الاحتلال البريطاني كاملاً.

وفي خضم الذكرى الـ57 لثورة الـ14 من أكتوبر التي جسدت معاني التحرر والاستقلال من الاستعمار البريطاني، وكما صنع أولئك الأحرار السابقون بكل عزيمة وصبر وكفاح، فإن على الشعب اليمني الصامد عامة، وأبناء الجنوب خاصة أن يواصلوا مشوار الثورة ضد أولئك المستعمرين والمحتلين الذين ما يزالون يحتلون الجنوب اليوم.

وكما استطاع أولئك الأحرار الشرفاء المناضلين من تحرير جنوب اليمن من الاستعمار البريطاني القديم، فإن الفرصة مازالت مواتية لأبنائهم الأحرار أن يحرروا وطنهم من الاستعمار البريطاني الأمريكي الإماراتي السعودي، ليتجسد المعنى الحقيقي للثورة ضد المحتلين والمستعمرين، ويعكس حقيقة الاحتفال بثورة الـ14 من أكتوبر.

أما اذا بقي الجنوب يرزح تحت الاستعمار وفي قبضة الأمريكي والإماراتي والسعودي، وتمر ذكرى ثورة أكتوبر فلا يمكن بأي حال من الأحوال أن نستلهم من ثورة الـ14 من أكتوبر الدروس والعبر بل ينبغي أن يخجل القاعدون والمتخاذلون من أنفسهم وأن يعتذروا لشهداء ثورة اكتوبر ورفاقهم، إلا أن ما يبقي لنا الأمل بعد الله سبحانه وتعالى هو وجود قيادة حكيمة ترفض الذل وتأبى الضيم للشعب كبيره وصغيره.

وتقود مع الكثير من الصادقين الأحرار من رجال الجيش واللجان الشعبية والشعب يرفدهم أروع البطولات والملاحم البطولية ضد المحتلين والمعتدين ومرتزقتهم، وسيتمكن شعبنا بقوة الله القوي العزيز من تحرير كل شبر من أرض الوطن، وسيصنع الحرية والاستقلال والكرامة ويرسخها بدمائه الزكية، وتضحيات أبنائه الأسطورية، ووطنيتهم الصادقة، ومواقفهم الثورية المستمرة، وهذا ما سيدونه التاريخ في صفحاته بأنه التجسيد الفعلي للثورة ضد المحتلين والمستعمرين في سبيل تحقيق الحرية والاستقلال للشعب والوطن.

وختاماً:

عندما يحتفل أبناء الشعب اليمني بثورة الـ14 من أكتوبر في مثل هذه الظروف الصعبة والتحديات التي يمر بها اليمن حالياً، فهو يحتفل بذكريات مجيدة وثورة عظيمة ومهمة يجب أن تستمر وأن تتكرر من جديد ضد الاستعمار البريطاني الذي يستعمر الجنوب اليمني اليوم تحت يافطة إعادة ما يسمونها الشرعية التي استخدمها اعداء الشعب كذريعة للاعتداء على البلاد ونهب ثرواته.

ولكي نضع النقاط على الحروف ونكون منصفين فإن ثورة الـ21 من سبتمبر هي امتداد للثورات اليمنية التي خرجت ضد الغزاة والمحتلين، إذ أن من أهم أهدافها إخراج اليمن من الوصاية الأجنبية، وطرد الغازي والمحتل من كل شبر من ربوع اليمن.

وبذلك فإن من يتشدقون ويتغنون اليوم بثورتي الـ26 من سبتمبر والـ14 من أكتوبر وهم ما يزالون يقبعون في فنادق دول العدوان والاحتلال والاستعمار هم دون ادنى شك خانوا الثورة وخانوا اليمن والشعب ، وهم أولئك أنفسهم الذين خانوا دماء الشهداء ممن ضحوا بأنفسهم من أجل تلك الأهداف السامية التي قامت من أجلها تلك الثورات المباركة.