المشهد اليمني الأول/

لا يخفي المبعوث الأممي إلى اليمن مارتين غريفيتث محاولاته لإيقاف الهجوم العسكري الذي تحضره قوات الجيش واللجان الشعبية اليمنية لتحرير منطقة مأرب، مثيراً علامات استفهام كبيرة عن أسباب تركيزه على وقف دائم لإطلاق النار في هذه المنطقة بالذات، فيما معظم مناطق اليمن تشتعل بالمعارك.

هناك -إذن- خصوصية لمأرب عند الممسكين بالأمم المتحدة، وهم بالطبع الأمريكيون عبر نفوذهم العالمي وسيطرتهم منذ 1990 على القانون الدولي، ممسكين به ومتلاعبين بمضمونه حسب اتجاهات مصالحهم.

ضمن هذه المعطيات يجب استيعاب أسباب إصرار المندوب غريفيتث على إيقاف معارك مأرب فقط.

فهذا طلب أمريكي له علاقة بالسعودية، الفريق الأساسي في العدوان على اليمن المتواصل منذ ست سنوات.

بنو سعود يرون أن استمرار القتال في مأرب تحديداً يذهب في اتجاه تحريرها من قبل الجيش واللجان الشعبية، وهذا يعني إمساك هذا الجيش ولجانه بمنطقة حدودية واسعة مع السعودية تبدأ من أعالي صعدة مقابل نجران وجيزان حتى حدود مناطق مأرب المواجهة للسعودية ولمناطق سيطرة جيش هادي وتحالفاته في الوسط.

بذلك تستطيع “حكومة صنعاء” أن تشكل ضغطاً هائلاً من حدود مفتوحة واسعة مع السعودية لا يمتلك بنو سعود سبل مواجهتها، بما يعني انتقال المعارك إلى الداخل السعودي بشكل عسكري مباشر وليس عبر الصواريخ والمسيرات فقط.

مأرب -إذن- أم النقاط الاستراتيجية في عملية تحرير اليمن من العدوان السعودي الإماراتي المدعوم أمريكياً وبريطانياً و”إسرائيلياً” ومصرياً وسودانياً منذ 2014.

تكفي العودة إلى معلومات دولية عن اكتناز أراضي مأرب كميات ضخمة من النفط مع احتمال كبير لوجود احتياطات كبيرة من الغاز، ما يضفي عليها أهمية استراتيجية على المستوى العسكري، باعتبار أنها الطريق الملائمة لنقل المعارك البرية إلى الداخل السعودي، مع أهميات اقتصادية وازنة تتيح بناء دولة يمنية وازنة تستطيع أداء أدوار داخلية وفي شبه الجزيرة والشرق العربي والجزء الأفريقي المقابل لها عند سواحل البحر الأحمر.

هذا بالإضافة إلى أن تحرير اليمن -عبر تحرير مأرب- يؤدي تلقائياً إلى عرقلة التطبيع الخليجي والعربي مع “إسرائيل”.

هذه هي الأسباب التي تدفع كلاً من الأمريكيين والأوروبيين والسعوديين والإماراتيين والأتراك إلى الضغط لمنع تحرير مأرب.

لمزيد من التوضيح فإن غريفيتت بذل كل طاقاته وإمكاناته لتسهيل عمليات تبادل الأسرى بين “حكومة صنعاء” من جهة والسعودية ورجلها هادي من جهة ثانية، في محادثات توصلت إلى تبادل أكثر من ألف أسير، مصراً مسبقاً على تطبيق وقف لإطلاق النار في مأرب، وذلك ليعرض مشروع تسوية يقتصر على مأرب. إنما ماذا يستطيع أن يقدم بالمقابل؟

تقول معلومات إن غريفيتت ذاهب إلى صنعاء بعد أيام عدة ليعرض تسوية مؤقتة تقوم على وقف الاشتباكات في الحديدة، والسماح لبواخر الوقود بالدخول إلى مرافئها لتنتقل إلى مناطق الشمال. هذا يعني أنه يعرض خفض الحصار على قسم من الساحل الغربي يشمل حصراً وقفاً لإطلاق النار ويسمح بتمرير الوقود حصراً إلى مرافئ الحديدة ونقلها إلى معظم مناطق شمالي ووسط اليمن، وبالمقابل يطلب غريفيتت وقفاً كاملاً لإطلاق النار في مأرب.

فأين القطبة المخفيّة؟ إنها موجودة في يقين القيادات الغربية والسعودية أن أنصار الله وحلفاءهم الذين يطوّقون قلب مأرب أصبحوا في مرحلة تحريرها، لذلك يركّزون كامل جهودهم على تسويات هدفها الإعلامي إنساني، فيما مراميها العميقة تريد استمرار حرب اليمن عبر تحصين جبهة مأرب والدفاع عن السعودية وحماية التطبيع الخليجي مع “إسرائيل”.

هناك نقاط إضافية سببها انهماك الأمريكيين في هذه المرحلة بانتخاباتهم الرئاسية المقررة في الثالث من نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل، لكن الاستعداد لها ابتدأ منذ شهر تقريباً، ولن تنتهي إلا بعد أشهر عدة من تسلّم الرئيس الجديد المنتخب لمهامه.

هذه المرحلة تفرض تقليص الدور الأمريكي الخارجي والتركيز على الداخل.

لذلك يعمل غريفيتت على منع حدوث انقلاب دراماتيكي ينهي حرب اليمن عبر تحرير مأرب. وهذا يعني انهيار المشروع الأمريكي فيها، عبر حلفائه في المشروع التركي العامل من خلال حزب الإصلاح (الإخوان المسلمين في اليمن) والمجلس الانتقالي الموالي للإمارات والدولة المزعومة لعبد ربه منصور هادي المقيم في السعودية والموالي لها.

تؤشر هذه المعطيات إلى صعوبة عقد اتفاق وقف دائم لإطلاق النار في مأرب، فيما تشتعل كل جبهات اليمن الأخرى، فهل يجري تحرير مأرب؟

هذا هو المشروع اليمني الفعلي الذي تؤسس “حكومة صنعاء” حالياً لتأمين ظروفه العسكرية والسياسية والاجتماعية، وهذا لم يعد بعيداً.

_____________
د. توفيق إبراهيم
كاتب وباحث سـياسي لبناني