المشهد اليمني الأول/

تتناقل المواقع الإلكترونية الأخبار بحلوها ومُرَّها، وفِي غمضة عين تجد جميع أخبار المدن والقرى والبلدان ومن أي بُقعة من بِقاع العالم أمام شاشتك على الآيباد أو الهاتف أو على سطح حاسوبك المحمول Laptop، وتنساب تلك الأخبار بيسرٍ وسهولة لتكون بين يديك، لكن ما يعنينا هُنا هو حالة مدينة عدن في ظل الاحتلال السعودي–الإماراتي وما تعانيه من أوجاع تحوَّلت إلى ما يشبه الظل الرفيق الملازم للمدينة المنهكة، نتابع أوضاعها وأوضاع سُكَّانها ومدنييها بقلقً شديد وبالذات في النواحي الأمنية والعسكرية والمعيشية والتعليمية والصحية وخلافها.

مُنذ ما يزيد عن خمس سنوات ونصف والمدينة ترزح تحت احتلال دولتين هما الأغنى (إقتصادياً)، والأثرى (مالياً) في شبه الجزيرة العربية، هما دولتي المملكة السعودية والإمارات العربية المتحدة، وكانت مُبررات ذلك العدوان والاحتلال جلب الرَّخاء والازدهار للمدينة التي عَرفت وعاشت ازدهاراً لافتاً مُنذ العشرينات من القرن العشرين، أي في الزمن الكولونيالي تحت التاج البريطاني، وفِي ذاك الزمان لم تتكونا ولم تتأسسا بعد لا السعودية ولا الإمارات في الوجود السياسي، عدن كانت في ذاك الزمان دُرَّة الجزيرة العربية ودانة المدائن العربية، وكانت تُضاهي مُدن العواصم العربية الكبرى مثل بيروت، وبغداد، والقاهرة ودمشق، وكانت تسبقها أحياناً في بعض جوانب التخطيط العمراني وخدمات الكهرباء والمياه والثقافة.

الكثير من البسطاء من أبناء عدن وحتى في المحافظات الواقعة تحت الاحتلال خرجوا إلى الساحات والشوارع وحتى الحارات مهللين وفرحين حاملين رايات وأعلام ورموز دُول الاحتلال السعودي والإماراتي والبحريني وغيرها من دول العدوان، واعتبروهم (مُخلِّصين) لهم من الجيش اليمني الذي أسسه الرئيس الأسبق/ علي عبدالله صالح، ومن مجاهدي ومقاتلي اللجان الشعبية لأنصار الله الحوثيين بقيادة القائد الحبيب/ عبدالملك بدرالدين الحوثي، لذا اعتبر البسطاء من عامة الشعب أن المُخلِّصين لهم هم جيوش وجحافل آل سعود وآل نهيان، وأنَّهم ينتظرون سخاءهم وكرمهم العروبي وفقاً وتراث (الكرم الحاتمي) الشهير من تُراثنا العربي المتداول، كانوا يحلمون- بالثواني والدقائق والساعات –

بأنَّ ثروات العُرْبَان ستنهال عليهم من كل حدبٍ وصوب، وأنَّ خزائنهم ستظل مُشرعة لوصول الأموال إلى كل حي و (حافة)، وشارع وزقاق، الجميع من هؤلاء كان مصدقاً الحكاية، وبالذات بعد (غزوة ترامب على الرياض)، وهي الزيارة التي تكرَّم بها سيد البيت الأبيض الأمريكي دونالد ترامب الذي خطف هو وابنته الرشيقة إيفانكا ترامب، وزوجته الأنيقة عارضة الأزياء السلوفينية ميلانيا ترامب، خطفوا من مال آل سعود في غضون يومين أو ثلاثة أيام مبلغاً خُرافياً بلغ 450 مليار دولار أمريكي عداً ونقداً، هذا غير الهدايا العينية الثمينة.

كانت أعناق هؤلاء البسطاء مشرئبة نحو التلفاز لمشاهدة أعظم حدث إعلامي صادم، ولكنه حدث يوحي لهؤلاء بإيجابية كبيرة، ولسان حالهم جميعاً يقول: طالما وقد حصل هذا الأجنبي (المسيحي) على جميع هذه المغانم، فكيف بِنَا نحن الأشقاء العرب المسلمون؟! كانوا يهمسون بصوتٍ هادئ بعضهم لبعض بالقول “إنَّ عدن والمحافظات التي يتواجد فيها (المُخلِّصون) سيكون نصيبها على الأقل مُضاعفاً بحُسْبةٍ بسيطةٍ منها باعتبارهم مُخلِّصين وجيراناً وعرباً ومسلمين”!.

لكن حُلم هؤلاء البسطاء لم يدم طويلاً خاصةً بعد أن سمعوا سيد البيت الأبيض الأمريكي يقول في مهرجان خطابي علني لاتباعه من المتطرفين العنصريين البيض يقول لهم: إننا نحن الأمريكان من نقوم بحماية الحُكَّام السعوديين، ولولا حمايتنا لهم لما بقوا في السلطة أسبوعاً واحداً.. بعد أن سمعوا تلك التصريحات الوقحة والخارجة عن اللياقة الأدبية في التخاطب بين الشركاء أو الأصدقاء فاقوا من الصدمة.

ليهمس هؤلاء البسطاء بعضهم لبعض بالقول: لقد تبدَّد حُلمنا وتبخَّر على شواطئ عدن الملتهبة طالما والأمريكي الوقح أخذ تلك الأموال مقابل حمايته الأسرة المالكة السعودية، فكيف بِنَا نحن الذين ننتظر منهم الخلاص والتمويلات التي تعيد لشوارعنا ومدننا ومحافظاتنا سنائها وحيويتها؟!
المدنيون من الناس في عدن لا يريدون الغوص والغرق مرةً أخرى في أحلام اليقظة، وتتحوَّل أحياؤهم وضواحي عدن وبقية المحافظات (المحررة) إلى فردوسٍ آخر ينعمون فيها، بل تحوَّل حلمهم إلى الحصول على شربة ماء هانئة كما كانوا يحصلون عليها في زمن الاستعمار البريطاني (البغيض) والحُكم الاشتراكي اليساري (التوتاليتاري المتشدد)، وفِي ظلال دولة الوحدة اليمنية (المذمومة من رعاع الحراكيش)، تخيلوا كم هو قنوع وبسيط ذاك الحلم لهذا المواطن العفيف الذي اختصر أحلامه في شربة ماء نظيفة مقبولة السعر والقيمة..

اليوم لم يعد حتى ذلك الحلم متاحاً للناس، تحولت أحياء وشوارع عدن إلى تزاحم لسيارات نقل المياه (الصهاريج والبويات)، يتم بيع الماء بسعر لا يقوى المواطن العدني عليه في ظل تدهور سعر الريال اليمني مقابل أسعار العملات الأجنبية، وانقطاع رواتب العديد من الموظفين والعاملين في الجهازين المدني والعسكري، وما اعتصامات الأخوة العسكريين المتقاعدين في البريقة أمام معسكر المُحتل السعودي–الإماراتي إلاّ صورةً محزنة من صور إذلال اليمنيين من قِبَل هؤلاء الغُشم الأَعْرَاب.

مُجرد أنْ تفكر أنْ تعيش في مدينة ساحلية في أي بقعة من العالم، تفكر جدياً في وضع الكهرباء والماء في تلك البقعة من العالم، فدرجات الحرارة في الصيف والشتاء عادةً تكون عالية إلى درجةٍ لا يطاق العيش فيها، وعدن والمدن الساحلية هي مدن من هذا النوع، كم سيتحمل الإنسان انقطاع التيار الكهربائي وتوقف المياه عن الضخ، ففي عدن في ظل هذه الظروف تنقطع خدمات الكهرباء لساعات طويلة تصل إلى 20 ساعة توقف، أمَّا المياه فتنقطع لأيام وأسابيع.

خُلاصة الفكرة هو أنَّ ما يحدث هو بِفعل فاعل وهُم (المُخلِّصون) كما تراءى للبعض من البسطاء من أهل عدن، هؤلاء هُم الأَعْرَاب الذين عاثوا فساداً في اليمن وفِي العديد من البلدان العربية وهُم من أقدَمَ اليوم على بيع القضية العربية المركزية فلسطين وعاصمتها القدس الشريف.

أمَّا عُملاء الرياض وأبوظبي من اليمنيين فقد استمروا في الانبطاح والتمدد في منتجعات وفنادق الرياض وأبوظبي والدوحة وإسطنبول، هؤلاء لو تذكروهم وتذكروا صراخهم بأنَّهم (سيستميتون) للدفاع عن الجنوب وعن الشرعية، أين هم الآن؟ وأين انتهت مزايداتهم؟ ألم يتحولوا إلى عبيد ومستأجرين بثمن بخس لأسيادهم؟ كي يخدموا في المحصلة الأخيرة دولة العدو الإسرائيلي الصهيوني، والله أَعْلَمُ مِنَّا جَميعاً.
(وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ)
_________
أ. د. عبدالعزيز صالح بن حبتور – رئيس مجلس الوزراء