المشهد اليمني الأول/

إن الحديث عن المولد النبوي الشريف هو حديث عن كل يوم في حياة الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم، وعن سيرته، وحكمته، ومواقفه، وأخلاقه، وصفاته النبيلة، وليس مقتصراً على يوم خروجه صلى الله عليه وآله وسلم من بطن أمه الكريمة، كما أنه حديث عن الدين الإسلامي ومعالمه الأساسية، والحديث عن القرآن الكريم الذي ينبغي أن نعرف الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من خلاله.

حيث إن القرآن الكريم يقدم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في قوالب شاملة تدل على عظمته حينما يقول عنه الله سبحانه وتعالى: {عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ }، وعندما يقول سبحانه وتعالى: { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ}.

وكما يقول عزَّ وجلّ: { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا}، وكذلك عندما يقول سبحانه وتعالى: { وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ}، وهذه الآيات تشكل مرجعية لأي رواية أو حديث عن رسول الله، إذ لا ينبغي أن نخرج عن هذا الإطار الذي يُعتبر خطوطاً عريضة لكل ما يمكن أن يُقال عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

احياء المولد النبوي الشريف يمثل أهمية بالغة للأمة الإسلامية

يُعدُّ الاحتفال بمولد النبي الأكرم محطة انطلاق نحو مولد جديد لأمة قوية منتصرة، مستقلة، تكتسي هيبتها وتحتل مكانتها العالية بين الأمم كأمة شاهدة على الناس أجمعين كما أراد الله لها، إذ يجب علينا أن نجعل من هذه المناسبة العظيمة في هذا الزمن مولداً لأمة مُهابة وذات سيادة واستقرار واستقلال وحرية.

لاسيما وأن احياء المولد النبوي الشريف يمثل أهمية بالغة للأمة الإسلامية فهو يعتبر خاصية حضارية لها بين الحضارات والأمم الأخرى التي لها أعياد ومناسبات مستقلة وذات خصوصية.

ونحن كأمة إسلامية يمثل الاحتفال المولد الشريف جزءاً مهماً من مميزات حضارتنا الإسلامية العريقة حتى لا تذوب في معركة الصراع مع الأعداء وتستسلم وتفقد قوتها واستقلاليتها، بل إن الاحتفال الكبير بمناسبة كهذه يعكس صحوة إسلامية ويعني بأن هذه الأمةَ هي في طريقها نحو استعادة قوتها وعزتها وكرامتها، كما أراد الله لدينها حينَ قال سبحانه وتعالى: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ}.

المحبة الصادقة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم

إن الاحتفال بالمولد النبوي الشريف يدل دلالة واضحة على المحبة الصادقة للرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، كما قال سبحانه وتعالى: {وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ}، ولهذا فإن الاحتفال بهذه المناسبة العظيمة هو دليل صادق على المحبة والشوق لرسول الله والاتصال الدائم بذكراه والتعلق به صلى الله عليه وآله وسلم…

وبذلك فإن الاحتفال بالمولد النبوي الشريف يعني أن هذه الأمة تقدر نعمة الله سبحانه وتعالى عليها بهدايتها بالرسول الأكرم، ويجسد الاحتفال بالمولد أن الأمة تشكر الله سبحانه وتعالى على هذه النعمة العظيمة، وتقدرها حق قدرها، وأنها تحب الرسول الأعظم وتتخلق بأخلاقه وتتزود بالمعرفة العملية الصحيحة بالإسلام وقيَّمه وجوهره وتعاليمه وتوجيهاته بدلاً من التمسك بقشوره التي لا تسمن ولا تغني من جوع.

احياء المولد النبوي الشريف يمثل صحوة إسلامية للأمة

في الوقت الذي تجتمع فيه مئات الآلاف حول ملاعب الكرة، أو من أجل الاستماع لخطاب زعيم سياسي، فإن الأمة عندما يجتمع مئات الآلاف من أبنائها من أجل احياء مولد رسول الله وتعظيماً له، وبلا شك فإن هذا الحضور الفاعل والابتهاج الكبير يعكس صحوة إسلامية ضد المفاهيم والثقافات المغلوطة وثقافة الحرب الناعمة والذي انعكس تأثيرها بشكلٍ واضحٍ عند الكثير من الشباب التي طغت عليهم ثقافة الغرب والعولمة والتحضر.

والمغرمين بثقافة الموضة والأفلام والحلاقة الأجنبية، إلا أنه عندما أقُيمت هذه المناسبة العظيمة بحضور وزخم شعبي كبير وعظيم فقد حصل تغيراً كبيراً وملموساً وصحوةً كبيرة في أوساط الشباب الذين يحبون الله ورسوله، فكانوا أول من ضحى من أجل الإسلام والرسول الكريم.

وبذلك فإن الاحتفال بالمولد النبوي الشريف يظهر الأمة أمام الأمم الأخرى أنها أمة ذات حضارة لها جذور، وخصوصيات وقيم لا يمكن أن تذوب في بوتقة العولمة والتغريب، أو أن تتماهى مع مشاريع الغزو الثقافي، في ظل ما تتعرض له الأمة من غزو في المفاهيم والسلوكيات كالاحتفال بعيد الأم وعيد العمال وعيد الشجرة وغيرها والت تعد مؤشراً على عدم ارتباط الأمة بقائدها الأول ودليل واضح على نجاح مشاريع التغريب في أوساط الأمة.

الاحتفال بالمولد النبوي الشريف يدل على أن مشروع الوحدة الإسلامية

من اليقين أن أعداء الأمة يتابعون بقلق بالغ استعدادات فعاليات الاحتفال بمولد الرسول الأعظم صلوات الله عليه وآله؛ ذلك لأنهم يعتبرون أن الرسول يقدم للأمة مشروعاً يحيها ويخرجها من واقعها المظلم والمخزي والمذل، ولا ننسى ما قاله أول رئيس وزراء للعدو الإسرائيلي “بن غوريون” حين قال: (إننا نخشى أن يظهر في العالم العربي محمد جديد).

ولا يمكن أن تتم الوحدة الإسلامية للأمة إلَّا في حالة الالتفاف حول الرسول الكريم، فلا يمكن أن تتوحد الأمة تحت راية أي شخص إلا إذا عادت إلى الرسول الأعظم، عودة جادة وصادقة.

إن كل أبناء الأمة يستشعرون أهمية احياء هذه المولد النبوي الشريف في إحياء مشروع الوحدة الإسلامية بين كل أبناء الأمة، إذ أن هذه المناسبة تمثل الأمل الوحيد الذي يعول عليها الحريصون على الأمة في تضييق الفجوة الحاصلة بين أبناء الأمة والتي يعمل الأعداء على توسيعها وتعميقها، لاسيما وأن المولد النبوي هو المناسبة التي يمكن أن تمثل رمزاً للوحدة الإسلامية.

وأنه عندما تُقام هذه المناسبة في كل دولة إسلامية فإنها تدل على القاسم المشترك بين كافة أبناء الأمة الإسلامية؛ لأن مولد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يمثل مناسبة الجميع وإنه يذكر أبناء الأمة بأن يعودوا إلى نبيها ويرسخون الروابط والعلاقات القوية بينهم وأنهم كالجسد الواحد مهما فرقتهم الحدود الجغرافية.

الاحتفال بالمولد النبوي الشريف يجسد أن الأمة تتمسك بنبيها وترفض الإساءة إليه

إن من أكبر دلالات إحياء المولد النبوي الشريف أننا أمة نتمسك بنبينا وتعظمه وتجله وتحرص على التأسي به، ويثبت أننا لانزال نتولى الرسول ونطيعه، ونرفض كل إساءة لرسول الأمة وهاديها، وبالتالي فلن يجرؤ أحد على الإساءة إلى الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، فعندما تحيي مئات الآلاف ذكرى مولد رسولها فإن الأعداء سيحسبون ألف حساب قبل الإقدام على أي محاولة إساءة للرسول صلى الله عليه وآله وسلم

ومن مقولة “من أمن العقوبة أساء الأدب”، فإن أعداء الأمة حريصون جداً لمعرفة مدى تعلق الأمة بنبيها، ويقومون بجس نبض لمعرفة ذلك، وعندنا لا يجدون تحركاً فعلياً وجواباً رادعاً من قبل الأمة، ولا مظاهر لرفض وتنديد إساءاتهم بحق الرسول الأعظم، وبالتالي فإن كل هذا الجمود والسكوت يدل دلالة واضحة على انفصام وانقطاع الأمة عن نبيها صلى الله عليه وآله وسلم والذي يجعلهم يتمادون ويستمرون في الإساءة على الرسول الأعظم صلوات الله عليه وآله وسلم.