المشهد اليمني الأول/

لماذا أُرغم حكام السودان الجدد صاغرين على دفع مبلغ 335 مليون دولار على سبيل التعويض، عن تفجير السفارتين الأمريكيتين في نيروبي ودار والسلام، والمدمرة الأمريكية “كول” على الشواطئ اليمنية، فيما لم يطالب هؤلاء بالتعويض عن التدمير الأمريكي “الإسرائيلي” لمصنع الشفاء لصناعة الأدوية في السودان؟ ولم يطالبوا بالتعويض عن استهداف الطيران “الإسرائيلي” للأراضي السودانية وقتل مواطنيين سودانيين وأرتيريين، أو الاستهداف “الاسرائيلي” لمصنع اليرموك للأسلحة، خصوصاً أنّهم لا ينفكون يتشدقون بالمصالح السودانية أولاً وندية العلاقات ثانياً؟

هؤلاء لا يكتفون بالدوس على جبين السـودان، بل يأتون بالغرباء ليدوسوه أيضاً، ويمارسون حالة فريدة من الإسفاف اللغوي والتنطع الأخلاقي، حيث يقول مثلاً وزير خارجية السودان “نعادي من يعادينا ومصالح السـودان أولاً”، في إشارة إلى أن “إسرائيل” لا تعادي السودان، رغم أنّ آثار أنياب “إسرائيل” لا زالت ظاهرة على جسد الخارطة السودانية بانفصال الجنوب وأزمة دارفور وانفصالها الآتي، وبما أنّ المقال عن التطبيع السوداني، فلا أريد سؤال الوزير عن سبب مشاركة جيش بلاده في العدوان على اليمن، فهل اليمن عدو لسودانكم الجديد؟

يبدو أنّ الوزير لا يعرف أنّ “إسرائيل” هي العدو الأول للسودان، وأنّ استسلامه لا يعني أنّ “إسرائيل” ستمنحه الرحمة، بل رصاصة الرحمة، وهو عداءٌ متجذرٌ وقديم، ومنذ قيام الكيان الصهيوني على أنقاض فلسطين،

فيقول مثلاً عميد الموساد السابق موشيه فراجي “إنّ بن غوريون أول رئيس وزراء لكيان العدو، أمر في خمسينيات القرن الماضي أجهزته بالاتصال بزعامات الأقليات في جنوب السـودان والعراق”، وهذا ضمن السياسة “الإسرائيلية” التي كانت تسميها استراتيجية “شدّ الأطراف”، التي تهدف لزرع الشقاق والفتن إثنياً ومذهبياً تمهيداً لخلق الأزمات داخل الدول العربية،

ويقول آفي ديختر وزير “الأمن الإسرائيلي” عام 2008 “أقدمنا على صناعة مشكلة دارفور، كي لا يجد السودان متسعاً من الوقت لتعزيز قدراته، وهي ذاتها الاستراتيجية التي استخدمناها في الجنوب، ونجحنا في تغيير اتجاه السودان نحو التأزم والتقسيم، وستنتهي الصراعات بتقسيمه إلى عدة دول”، أما عاموس يدلين الرئيس السابق “للاستخبارات الإسرايلية” فيقول عام 2010 إنّ “رجالنا أنجزوا عملاً عظيماً بنشر شبكات إسرائيلية في الجنوب ودارفور قادرة على العمل باستمرار”، وأضاف “وأيضاً أنشأنا أجهزة أمن واستخبارات لجنوب السودان”.

وتمتلئ المراجع البحثية والتاريخية بالأدلة القطعية على الدور “الإسرائيلي” في تقديم الدعم والمساعدة للتمرد الجنوبي وصولاً لانفصاله عن السودان، والدور في صناعة زعامات للتمرد، كان يتم اختيارهم بالتعاون بين “الموساد” و”سي آي إيه”، ويتم تدريبهم في “إسرائيل”، وكان “جون غرنغ” من ضمنهم، ولكنه حين بدأ يميل للوحدة قام “الموساد” بالتخلص منه عبر إسقاط طائرته كما تحدثت بعض التقارير، لأنّ “إسرائيل” كانت على وشك الانتقال من استراتيجية “شدّ الأطراف” إلى سياسة بترها،

كما يقول الباحث “الإسرائيلي” زئيف شيف إن “استراتيجية شدّ الأطراف التي تم تبنيها في الخمسينيات، قد تم تجاوزها لصالح استراتيجية البتر”، وهذا ما حدث في نهاية المطاف، وقد اعتمدت الاستراتيجية “الإسرائيلية” هذه على عدة قواعد، بدأت بالدعم الإنساني وتقديم المساعدات للاجئيين الفارين من المعارك في الجنوب إلى دول الجوار، مروراً بالدعم اللوجستي والعسكري، وليس انتهاءً بالدعم المالي والإعلامي،

وهذه هي ذاتها الاستراتيجية وبحذافيرها التي استخدمتها “إسرائيل” في الجنوب السوري، حيث كانت تهدف لشدّه للحد الأقصى تمهيداً لبتره لكنها فشلت، وفشلها جنوباً لا يعني يأسها، بل لا زالت تمارس ذات السياسة في الشمال السوري، حيث تسعى بمساعدة الولايات المتحدة وآل سعود لبتر الشمال وتعليبه في دولةٍ كردية، والمفارقة أنّها ذات الأطراف الأهم في مشاركة “إسرائيل” على فصل جنوب السودان.

إنّ “إسرائيل” كيان وظيفي لصالح قوى استعمارية، ولديها فوق ذلك أيدلوجيا “إسرائيل الكبرى”، وكما قال الرئيس جمال عبد الناصر إنّ “القضية الفلسطينية من أصعب القضايا، لأنها ليست “إسرائيل” فقط بل “إسرائيل” وما وراء “إسرائيل””. وما وراء “إسرائيل” سوى التفتيت والفرقة، فهذا سلم الخلاص الأوحد لضمان تأبيد وجودها، لذلك أدرك ناصر مبكراً أنّ الوحدة هي نقيض بقاء “إسرائيل”،

ولكن سودانياً لا أريد الاستناد إلى التصريحات “الإسرائيلية” الصادرة عن أعلى المناصب الأمنية في الكيان عن بناء الشبكات في دارفور، ثم القفز إلى استنتاجات من خلال وجود قادة الجنجويد حكام السودان الجدد، لأصل لفكرة أنّ التطبيع جزءٌ من مخططٍ “إسرائيلي” لتسهيل عملية البتر من المركز، بدلاً من عملية الشدّ من الخارج. فالاندفاعة السودانية تجاه العدو، هي خطوة أعظم بكثير من مجرد هدية انتخابية لترامب، ولكن سأبعد سوء النوايا الاستنتاجية،

وأعتبر أنّ حكام السـودان يتصرفون من خلال تصديق الترهات، التي يسوقونها لتبرير سقوطهم الوطني والأخلاقي، وأنّهم يأملون بالخروج من أزماتهم الاقتصادية صُنع أيديهم، ولكنهم بذلك يخطئون الخطيئة الأفدح، حيث إنّ التطبيع مع العدو، لا يعني بأيّ حالٍ علاقات بين دولتين، بل هو انصياعٌ كامل للرغبات “الإسرائيلية”،

حيث من شروطه أن يمتنع السـودان عن التفكير أو القيام أو اتخاذ أيّ إجراء سياسي أمني اقتصادي وعسكري يضرّ بالمصالح “الإسرائيلية”، وهذا يعني أنّ سقف القرار “السيادي” السوداني سيكون المصالح “الإسرائيلية”، وعلى السودانيين الاحتفاظ بخرائط السودان القديمة في بيوتهم للذكرى، إن أطال الله في عمر “إسرائيل”.

ايهاب زكي