المشهد اليمني الأول/

استئانفت مصر وإثيوبيا والسودان ، الثلاثاء، المفاوضات بوساطة الاتحاد الافريقي بشأن ازمة سد النهضة ، التي توقفت قبل شهرين بسبب خلافات بشأن قواعد ملء سد النهضة الإثيوبي وتشغيله .

يأتي هذا بعد أيام من تحذير الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، من أن أزمة السد قد تؤدي إلى تحركات عسكرية.

وقال رئيس جنوب أفريقيا سيريل رامافوزا، وهو الرئيس الحالي للاتحاد الأفريقي ، إن استئناف المحادثات يظهر ثقة الدول الثلاث في المفاوضات التي يقودها الاتحاد.

وأكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اليوم في القاهرة لرئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان “الموقف المصري الاستراتيجي الثابت الداعم لأمن واستقرار السودان وشعبه الشقيق”.

وفيما يتعلق بأزمة سد النهضة الإثيوبي، فإن الطرفين المصري والسوداني يتفقان بشأن “الأهمية القصوى لقضية المياه بالنسبة للشعبين المصري والسوداني باعتبارها مسألة أمن قومي”، وبشأن “تمسك البلدين بالتوصل إلى اتفاق قانوني ملزم يضمن قواعد واضحة لعملية ملء وتشغيل السد” بما يحقق مصالح كل الأطراف

وأعلنت وزارة الري المصرية أنها ستشارك في الاجتماع، من أجل “إعادة إطلاق المفاوضات”، وهو ما أكده أيضا وزير المياه السوداني الذي أوضح أن “أساليب التفاوض السابقة يجب أن تتغير”.

وتبحث الدول الثلاث، بحضور ممثلين عن الاتحاد الافريقي والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، إمكانية التوصل إلى اتفاق عادل وملزم ودائم بشأن ملء السد وتشغيله والاطمئنان لمستوى الأمان فيه، وسط خلافات حول كمية المياه المتدفقة من السد سنويا، لاسيما خلال فترات الجفاف، بالإضافة لآلية ملء خزانه والتنسيق مع باقي السدود في دولتيْ المصب.

وقال المتحدث باسم وزارة الري المصرية، محمد السباعي، في تصريح صحفي إن مفاوضات اليوم سيحضرها وزراء الخارجية والري، أو من يمثلهم “وستتضح خلال تلك الجلسة أسس وأجندة التفاوض”.

وكانت جلسات التفاوض قد توقفت في نهاية أغسطس الماضي بسبب ما اعتبرته مصر والسودان “تعنتا إثيوبيا” حيال مقترحات تتعلق بآلية تشغيل وملء سد النهضة، بعد بدء أديس أبابا، بشكل أحادي، مرحلة تخزين المياه في بحيرة السد في الأسبوع الأول من أغسطس.

ماذا قال الرئيس الأمريكي عن السد

قال ترامب للصحفيين “إنه وضع خطير للغاية لأن مصر لن تكون قادرة على العيش بهذه الطريقة … وسينتهي بهم الأمر بتفجير السد”.
وبعد هذا التصريح، اتهمت إثيوبيا ترامب بالتحريض على “الحرب”.

واستدعى وزير الخارجية، غيدو أندارغاتشو، السفير الأمريكي مايكل راينور لاستيضاح تصريح ترامب بشأن النزاع الحساس طويل الأمد حول مياه النيل بين إثيوبيا ودولتي المصب مصر والسودان.

وقالت الوزارة إن “تحريض الرئيس الأمريكي الحالي على الحرب بين إثيوبيا ومصر لا يعكس الشراكة طويلة الأمد، والتحالف الاستراتيجي بين إثيوبيا والولايات المتحدة، كما أنه أمر غير مقبول في القانون الدولي الذي يحكم العلاقات بين الدول”.

ودافع مكتب رئيس الوزراء الإثيوبي، أبي أحمد، السبت عن السد قائلا إن أديس أبابا ملتزمة بالمحادثات التي يقودها الاتحاد الأفريقي، والتي قال إنها أحرزت “تقدما كبيرا”.

وقد فشلت جهود الوساطة الأمريكية بين الدول الثلاث في وقت سابق من هذا العام، بعد أن اتهمت إثيوبيا الولايات المتحدة بمحاباة مصر.

طبيعة الخلاف بين مصر وإثيوبيا

تخشى مصر من أن يجفف السد مواردهما المائية وتصف السد بالتهديد الوجودي لأنها تُعاني من ندرة مائية بحسب تصنيف البنك الدولي، وتعتمد بشكل أساسي على مياه نهر النيل في تلبية 95 بالمائة من احتياجاتها المائية، إذ تحصل سنويا على حصة من مياه النيل تقدر بـ 55 ونصف مليار متر مكعب.

وتخشى مصر من أن عملية ملء السد قد تؤثر على حصتها من المياه، ففي السنوات التي يكون فيها معدل الأمطار عاديا أو فوق المتوسط لا يُتوقع أن تكون هناك مشكلة، ولكن القلق بشأن ما قد يحدث خلال فترات الجفاف التي قد تستمر لسنوات.

من ناحية أخرى، إثيوبيا تقول إن السد، ضرورة وجودية، فإذا جرى تشغيله بكامل طاقته، سيكون المحطة الأكبر أفريقيا لتوليد الكهرباء. وسيُوفر الكهرباء لـ 65 مليون إثيوبي. وبالتالي فهو ضروري لنمو البلاد اقتصاديا ولتوفير الطاقة.

ولكي يتحقق الغرض منه تحتاج إثيوبيا لملء خزان السد بـ 74 مليار متر مكعب من المياه، تم بالفعل ملء 4.9 مليار متر مكعب منها.

هدف المفاوضات

منذ انطلاق المفاوضات قبل نحو عقد، أي منذ بدء بناء السد عام 2011، تطالب مصر والسودان باتفاق قانوني ملزم يشمل النص على قواعد أمان السد، وملئه في أوقات الجفاف، ونظام التشغيل، وآلية فض النزاعات.

كما يُصاغ اتفاق بشأن أوجه التعاون لتحقيق طموحات الشعوب الثلاثة.

بينما تتمسك إثيوبيا بالتوقيع على قواعد لملء السد وتشغيله يمكن تغييرها مستقبلاً بمجرد الإخطار، ودون اشتراط موافقة مصر والسودان، كما ترفض إثيوبيا التقيد بمرور كمية معينة من المياه بعد انتهاء ملء الخزان وتشغيل السد.

وبخصوص فترة ملء الخزان، ترى مصر أنه يجب ألا تقل عن سبع سنوات، ويكون الملء في موسم الفيضانات فقط، في حين تريد إثيوبيا ملء السد خلال أربع سنوات ، ويستمر الملء طوال العام.

وقد أخفقت مصر وإثيوبيا والسودان في التوصل لاتفاق حول هذه النقاط مرات عدة، آخرها كان في محادثات استضافها الاتحاد الأفريقي في يوليو الماضي. لكن الجولة الحالية من المفاوضات ، بحسب بيان لوزارة الري المصرية، ستركز على قواعد ملء السد وتشغليه فقط، أما التفاوض حول المشروعات المستقبلية فسيكون لاحقا.

محاولات سابقة

أسفرت المحاولات السابقة للتفاوض عن توقيع بيان النقاط السبع في مالابو ” يونيـو٢٠١٤ ،”وخارطة الطريق في سـبتمبر٢٠١٤، واتفـاق إعـلان المبـادئ بـالخرطوم فـى مارس 2015 وهي جميعها تنطلق مـن تصور يصون المصالح المصرية والسودانية، كما وافقت إثيوبيا على وثيقة مخرجات سد النهضة بالخرطوم في مايو 2018. وزار رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد مصر في يونيو٢٠١٨، ليؤكد احترام الحقوق المتبادلة في التنمية دون إضرار بالآخرين. ووُقع اتفاق مبدئي بواشنطن “اتفاق النقاط الست”، إلا أنه لم يتم التوصل لاتفاق شامل وملزم بشأن السد.

ويقول الدكتور هيثم محمد، إن البعض يظن أن أمد المفاوضات طال، لكن المفاوضات الحقيقة لم تبدأ إلا مؤخرا، قبل ذلك كانت مجرد اجتماعات لجس النبض، واتفاقات مبدئية ووعود بعدم الإضرار بمصالح مصر والسودان، الآن بعد بدء ملء السد، نقاط التفاوض والمواقف باتت أكثر وضوحا والتحركات تسير بشكل سريع من كل الأطراف.

ويُمكن خلال هذه المفاوضات التركيز على التعاون بين مصر و إثيوبيا والسودان، فإثيوبيا تريد توليد كهرباء، ومصر لديها شبكة ربط كهرباء لدول المنطقة، كما أن هناك أيضا إمكانية تعاون اقتصادي وزراعي ورعوي بأسعار تنافسية تحقق الفائدة للجميع.

ويؤكد مدير مركز البحوث الأفريقية أن الفرصة قائمة لإنقاذ المفاوضات هذه المرة حيث إن الموقف المصري والسوداني متطابقان ما يجعلهما أكثر قوة خاصة بعد رفض الخرطوم التوقيع على اتفاق ثنائي مع إثيوبيا، بدون مصر.
كما أن تحقيق الاستفادة القصوى لإثيوبيا من السد تستلزم تحول مصر والسودان إلى معابر لتصدير الطاقة إلى أسواق آسيا وشمال أفريقيا بدلا من الاقتصار على تصديرها لدول الجوار الإثيوبي.

ماذا سيحدث إذا أصرت إثيوبيا على ملء السد في 4 سنوات؟

كلما قصر المدي الزمني لملء السد كلما زاد التأثير على مصر و السودان.

فبحسب الدكتور أيمن شبانة ملء السد في 4 سنوات، يعنى أن تقل حصة مصر من المياه بنحو 12 مليار متر مكعب سنويا و السودان سيتحمل نفس نسبة النقص تقريبا. وبالتالى ستتقلص المساحة المزروعة في مصر بنسبة 25 بالمائة لتتراجع من حوالى 8 ملايين لأقل من 6 ملايين فدان مما يزيد الفجوة الغذائية و يضطر مصر لمزيد من الاستيراد ، و يزيد البطالة بين المزارعين و يقلل نسبة الطمي وخصوبة الأرض الزراعية ، كذلك ستتضرر الثروة السمكية كما سيقل حجم الطاقة الكهربية المنتجة من السد العالى بنسبة 50 بالمائة.

و إذا كان الأثر غير ملموس في السنة الأولى لملء السد في مصر إلا أنه ظهر في السودان في نقص المياه و الكهرباء، وفي العام الثاني للملء الأثر سيكون أكبر على البلدين.

استناد مصر والسودان في المفاوضات؟

تستند البلدان إلى اتفاقيتي 1929 و1959، إذ أقرّت الحكومة البريطانية في اتفاقية 1929 بـ “حق مصر الطبيعي والتاريخي في مياه النيل”. وتمنح هذه المعاهدة مصر حق النقض (فيتو) على أي مشروع يُقام على مجرى النيل.

ثم في عام 1959، أبرمت مصر والسودان اتفاقا حول تقاسم موارد النيل، على أنْ تأخذ مصر النصيب الأكبر، دون إشارة إلى أيّ من دول حوض النيل التسع، بما فيها إثيوبيا.

في حين ترفض إثيوبيا الاعتراف بهذه الاتفاقيات، باعتبار أنها أبرمت دون تدخلها. وبحسب مسؤولين إثيوبيين “السماح بمرور كمية محددة من المياه يعد تأكيدا لامتيازٍ منحه الاستعمار لمصر، وهو ما سيبدو كما لو كان نوعا جديدا من الاستعمار”.

موازين القوى بين مصر وإثيوبيا؟

القدرات البشرية، في صالح إثيوبيا لأنها أكثر سكاناً، إذ تحتل المرتبة الثانية من حيث عدد السكان بإفريقيا تليها مصر في المرتبة الثالثة.
من الناحية الاقتصادية، يبلغ إجمالي الناتج المحلي المصري – وفقاً للقيمة الأسمية – 302 مليار دولار مقابل 91.66 مليار دولار لإثيوبيا، حسب تقديرات صندوق النقد الدولي لعام 2019، أي إن الناتج المحلي المصري 3 أضعاف الإثيوبي.

وتصنف التقديرات الجيش المصري كجيش قوي بالشرق الأوسط. لكن بحسب التصريحات المعلنة، فإن القيادة المصرية تلتزم بالتوصل لحل عبر المفاوضات.

ورغم التفوق العسكري المصري، كما يقول هيثم محمد، إلا أن استخدام القوة مستبعد في ظل تعقد الأوضاع الإقليمية والدولية في ليبيا وغزة وسيناء، ويتفق شبانة في استبعاد الخيار العسكري، في ظل التحصينات الأمنية بمنطقة السد، وارتباط أديس أبابا باتفاقات أمنية مع إسرائيل وتركيا، كما أن إثيوبيا تشارك في المفاوضات، الأمر الذي قد يظهر مصر في صورة الدولة المعتدية إذا أقدمت على عمل عسكري.

ماذا إذا أخفقت المفاوضات؟

إذا فشلت المفاوضات، سيكون أمام الاتحاد الإفريقي خياران: تحويل القضية إلى إحدى اللجان الخاصة التابعة للاتحاد لاستمرار التفاوض، كلجنة الأمن والسلم أو لجنة الحكماء. وبحسب الدكتور أيمن شبانة، هذا يضر مصر و السودان و “مضيعة للوقت”.

أما الخيار الثاني، فهو إحالة القضية إلى مجلس الأمن الدولي حيث يمكن للمجلس نقل تعامله مع الأزمة من الفصل السادس من ميثاق الأمم المتحدة إلى الفصل السابع، ليطالب إثيوبيا بوقف ملء السد لحين توقيع اتفاق، كما يمكن أن يحيل القضية إلى محكمة العدل الدولية. ورغم أن قرار محكمة العدل لن يكون له حجية قانونية، كما يشير دكتور شبانة، لكن ستكون له أهمية سياسية.

لكن ليحدث هذا على القاهرة والخرطوم الحصول على دعم الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن، وهو ما يبدو غير مضمون إذ تشير التقارير إلى أن الصين وروسيا ستعارضان الخطوة، لأنهما لا تريدان إرساء سابقة فكلتاهما لديها نزاعات نهرية مع جيران المصب.

كذلك بنوك الصين تشارك في تمويل السـد، وتتولى إحدى الشركات الصينية توزيع الكهرباء التي سينتجها السد. لكن إذا حدث تحرك أمام العدل الدولية فالموقف القانوني لمصر والسودان سيكون أقوى من إثيوبيا استنادا للاتفاقيات التاريخية.

وبحسب الدكتور أيمن شبانة ، إلى جانب ذلك هناك معركة دبلوماسية و قانونية يمكن لمصر و السودان خوضها أمام منظمات أخرى كاليونيسكو باعتبار أن الآثار في شمالي السودان و جنوبي مصر ستكون معرضة للخطر حال انهيار السد، كذلك المنظمات المعنية بالبيئة لأن نقص المياه سيوثر بالضرورة على المزروعات والحيوانات في القارة بالكامل.

دور مجلس الأمن في الخلاف ؟

تقدمت مصر بمذكرة إلى مجلس الأمن في مايو ٢٠٢٠ لإخباره بتطور المفاوضات باعتباره “موقف قد يهدد السلم والأمن الدوليين”. وهو ما اتبعته السودان بخطاب يحمل ذات المضمون.

وبعد فشل المفاوضات التي دعت لها السودان أنذاك، تقدمت مصر بشكوى إلى مجلس الأمن تتهم إثيوبيا فيها بخرق اتفاق إعلان المبادئ، وتحذر من عواقب ملء السد بدون اتفاق، ففوض المجلس الاتحاد الأفريقى برعاية المفاوضات التى أعُلن فشلها سابقا قبل استئناف هذه الجولة.

سد النهضة في أرقام

ـ بدأت عملية البناء عام 2011، وتستغرق 8 سنوات.ـ يبدأ التشغيل الأولي للسد في ديسمبر 2020.ـ يبلغ ارتفاعه نحو 145 مترا، وطوله نحو 1800.ـ تكلفة الإنشاء تقارب 4.7 مليار دولار.

ـ أكبر سد للطاقة الكهرومائية في إفريقيا، والعاشر عالميا.
ـ سعة التخزين 74 مليار متر مكعب، ما يعادل الحصة السنوية لكل من مصر والسودان.
ـ يتضمن 15 وحدة لإنتاج الكهرباء، ومن المتوقع أن ينتج 6 آلاف ميجا وات من الطاقة الكهربائية
ـ من الممكن أن يتسبب في إغراق نحو نصف مليون فدان، وتهجير نحو 30 ألف اثيوبي من سكان منطقة السد.
ـ تريد أثيوبيا تحديد تدفق المياه نحو مصر بـ35 مليار متر مكعب
ـ تريد مصر تدفق 40 مليار متر مكعب للحفاظ على منسوب المياه في السد العالي من التراجع إلى أقل من 165 مترا.