المشهد اليمني الأول/

منذ حوالي شهر ونصف الشهر تصنّف مراكز استطلاع الرأي الأمريكية ولايات حزام الصدأ (ميشيغان، ويسكنسون، مينيسوتا)، التي تبلغ حصتها للانتخابات في المجمع الانتخابي 36 صوتاً، على أنها زرقاء (غالبية ديمقراطية) ولم تعد في دائرة التأرجح. وفق هذا التصنيف، يكون بايدن بحاجة إلى الفوز إما بولاية فلوريدا أو بنسيلفانيا ليضمن تخطي حاجز 270 صوتاً للفوز.

خطة الديمقراطيين باتت واضحة: سحب ورقة ادعاء ترامب الفوز في ليلة الانتخابات، من خلال تعميق الفارق بينه وبين بايدن. إذا أظهرت النتيجة فارقاً كبيراً لصالح بايدن سيفقد ترامب فرصة الادعاء بحصول تزوير، وبذلك سيكون الحزب الجمهوري مرغماً على الاعتراف بفوز بايدن.

لذلك ركّز ترامب على ميشيغان وويسكنسون ومينيسوتا وبنسيلفانيا عبر تنظيم مهرجانات انتخابية فيها أملاً بتبدّل النتيجة في الساعات الأخيرة قبل انتهاء الدعاية الانتخابية، لإحباط استراتيجية الديمقراطيين، وبالتالي يتسنى له العودة لادعاء أن الانتخابات مزورة في حالة تقارب النتائج.

يتقدّم بايدن ليس فقط في ولايات حزام الصدأ (معدل 7 نقاط) بل في الولايات المتأرجحة المصنَّفة جمهورية تاريخياً كنورث كارولاينا وجورجيا وأريزونا وإن كان تقدّمه بهامش أقل (بين نقطة وثلاث نقاط). لذلك سينتقل ترامب للخطة “ب” عبر الإيعاز لأنصاره المدجّجين بالسلاح بأن ينتشروا أمام أبواب مراكز الاقتراع،

بذريعة مراقبة عملية اقتراع الانتخابات لترهيب الناخبين الليبراليين المؤيدين لبايدن، وسيشرع محامو حملته (حوالي 3500 محامي) برفع دعاوى قضائية ابتداءً من الغد في الولايات المتأرجحة، بذرائع وقوع تزوير سعياً لانتزاع أحكام قضائية بإلغاء بطاقات اقتراع عائدة لجمهور الديمقراطيين.

تكثر التحليلات والترجيحات حول تدحرج الأحداث أثناء وبعد انتهاء الاقتراع للانتخابات مساء الثلاثاء لتبلغ حد ممارسة جمهور ترامب العنف وربما قتل مؤيدي الحزب الديمقراطي، ورد التنظيمات اليسارية المسلّحة (كحركة أنتيفا) على هذه الاعتداءات بالمثل. لقد بلغ منسوب الاستقطاب والانقسام في المجتمع الأمريكي حدّاً غير مسبوق في تاريخ الانتخابات الأميركية.

حكماً لن تكون أميركا هي نفسها في صبيحة يوم 4 تشرين الثاني، ولن تفلح محاولة المؤسسات الأميركية الإيحاء بأن الأمور ستبقى تحت السيطرة. قبل ثلاثة أيام قام رتل سيارات من مؤيدي ترامب بالتحرّش بحافلة تابعة لحملة بايدن قرب مدينة أوستن في ولاية تكساس وأجبروها على الفرار. اضطُرَّت حملة بايدن – هاريس على إلغاء مهرجان انتخابي في المدينة خوفاً من استعمال أنصار ترامب المتعصّبين العنف لمنع عقد المهرجان.

تصاعد العنف السياسي يرجّحه أكاديميون أميركيون. فقد خلُصَ كل من الدكتور بيتر تورتشين عالم الأنثروبولوجيا التطوّرية في جامعة كونيكتيكت وجاك غولدستون عالم الاجتماع في جامعة جورج ميسون إلى الاستنتاج بأن أميركا ستصبح كبرميل بارود ينتظر الانفجار حتى لو كان فوز بايدن كاسحاً وجليّاً،

نظراً إلى وجود أسباب بنيوية في المجتمع الأمريكي تشبه إلى حد كبير المشهد قبل اندلاع الحرب الأهلية عام 1860. صمّم كل من تورتشين وغولدستون مؤشّراً يشمل عوامل اقتصادية واجتماعية، كارتفاع معدلات البطالة والفقر، وتفاقم الأزمات الصحية وسط الإصرار على دور أقل للحكومة الفيدرالية في مجال الأمن الصحي،

وتراجع العدالة الاجتماعية وتفاقم احتكار الثروة من قبل نسبة قليلة من الأثرياء، وارتهان النخبة السياسية للشركات متعددة الجنسيات، وعودة الانقسامات العرقية والأيديولوجية وغيرها من العوامل. بحسب هذا المؤشر أميركا في طريقها إلى حرب أهلية جديدة، كان تورتشين نفسه قد حذّر في دراسة عام 2009 من الوصول إلى بدايتها بحلول عام 2020.

مع إغلاق مراكز الاقتراع ليل الثلاثاء، ستكون أميركا ومعها العالم كله على موعد مع حقبة جديدة أقل ما يقال عنها أنها مفصلية. سيكون من البديهي استشراف أثر الانقسام والصراع الداخلي الأميركي على حضور واشنطن الخارجي. هل ستكون الامبراطورية الأميركية مقنعة مثلاً في الاستمرار بممارسة قوتها الناعمة عالمياً؟

كيف سيكون وقع أمريكا الضعيفة داخلياً على جهود دبلوماسييها عالمياً؟ وما معنى أن يستمرّ الانتشار العسكري الأمريكي في قارات ومحيطات العالم والداخل الأمريكي في حالة انقسام عميق وصراع يأخذ طابعاً عنفياً؟ القادم من الأيام سيحمل الإجابات.
________
علي مراد