المشهد اليمني الأول/

ما دام المضمون واحداً لنا في السياسة الخارجية الأمريكية إزاء القضية الفلسطينية وعداء العرب، فإن مصلحتنا هي في الشكل الذي يظهر به المضمون، والفروقات في الشكل هي في أساليب التنفيذ بين إدارة وأخرى.

وسيبقى المضمون قائماً ما لم تتغير قوة فاعلة على صعيد من الأصعدة الأمريكية أو العربية أو الفلسطينية، فما يهمنا نحن الشعب العربي وليس حكامنا ضمن هذا الثابت السياسي القائم هو أسلوب تمرير السياسة الأمريكية ما بين مغُطّى ومكشوف لا أكثر، ودلالة هذا الأسلوب مرتبطة بطبيعة شخص الرئيس المنتخب، ولذلك لنا مصلحة بهوية الرئيس الأمريكي من حيث هويته التي تمارس لنا فرقاً شكليا أرى فيه شيئا من المضرة أو النفع.

فأسلوب إظهار طروحات السياسة الأمريكية كما هي فوق الطاولة وإظهار الوجه الأمريكي الحقيقي للعالم ولشعوب الأقطار العربية وكشف حكامها ومدى عمالتهم وذلهم وكيف يُصفَعون أمامها، فيه توعية لنا على الحقيقة وعلى طبيعة من يحكمنا. وترامب هو من الشخصيات المؤهلة لهذه الخدمة. ليبق ترامب وأمثاله ما بقيت حالتنا وحالة حكامنا.

ومن هنا، فإن الطبيعة الشخصية للرئيس الذي يُنتخب تشير الى طبيعة المرحلة الأمريكية في الشأن العالمي أكثر بكثير من الشأن العربي المستقر تقريبا، وعلى المتفائلين من العرب بتغيير مضامين السياسة الأمريكية بتغيير الرؤساء أن يوقفوا تفاؤلهم. فالسياسة الأمريكية ممأسسة بشكل عام، ومأسستها ثابتة بالنسبة للعرب وللقضية الفلسطينية ما دامت ثوابتنا مجرد شعارات.

وما يتخذه رئيس أمريكي من قرارات وسياسات بشأنها لا يمحيه أخر بل يبني عليه. وما الرؤساء الأمريكيون إلا شركاء في اتخاذ القرارات التي تصنعها حكومتهم العميقة. فنحن لا ننتظر رئيساً جديداً يغير نهجاً سياسياً ولا قرارات تخص الشرق الأوسط أو القضية الفلسطينية بمعزل عن رغبة اسرائيل وسياستها، وإن حاول فسيلقى مصيراً مؤلماً على يد الحكومة العميقة.

صنّاع القرار الأمريكي لهم تأثير تحتاني كبير في انتخاب الرئيس المطلوب. وهذا يعني أن لهم التأثير الأكبر على سياسته. وأن إعادة انتخاب ترامب لا يعني فقط الاستمرار على النهج والأسلوب الذي يتبعه بل تعميقه. أما إن فاز بايدن فيعني أن هناك توجهاً لمراجعة إجرائية في تنفيذ السياسة التي كان يضطلع بها ترامب على الساحة الدولية، وتغيير أسلوبه وطروحاته على أكثر من صعيد.

فعلى الصعيد العالمي فإن إعادة انتخاب ترامب تعني ثبات السياسة الأمريكية المستجدة والمُربكة وتعميقها نحو أهداف من أهمها تسريع قضم الديمقراطية الأمريكية وتراجعها، وإشاعة هذا الإتجاه عالميا أو أوروبياً على الأقل، والمضي قدما بالإنقلاب على الخطوط العريضة للمعادلات السياسية والتحالفية التي نشأت بعد الحرب الكونية في اطار الأمم المتحدة وشكلت النظام الدولي الحالي، وكذلك المُضيُ بالإنقلاب على الشراكات في السياسات الاقتصادية ومختلف التحالفات السياسية وإبراز الرأسمالية المتوحشة فوق قوانين الطبيعة وقيمة وقيم الإنسان.

في حين أن انتخاب بايدن سيعني تراجعاً وعودة إجرائية في السياسة الأمريكية كاستراحة محارب فيها مراجعة، وتوقفاً عن الإنقلاب العميق على النظام العالمي، وعن الحُقن المربكة على ساحة الحلفاء والأعداء في الغرب والشرق. والعودة لعلاقات سياسية أكثر نعومة ودبلوماسية مع الصين وروسيا، وأعمق مواجهة بنفس الوقت لا سيما مع روسيا فالصين احتياطي صهيوني. ولعل خدمة تداعيات وتأثيرات كورونا الإقتصادية والإجتماعية الضخمة سيكون هاجساً لهذه السياسة وفي السياق سيكون الانسجام مع الرؤية الكونية لقوانين الطبيعية البيئية حاضراً.

أما على صعيد أمريكا الداخلي فليس لصانع القرار الأمريكي، ولا لأي ادارة حاكمة القدرة الكافية على التأثير به إيجابياً بمعزل عن مصالح الشعب الأمريكي بولاياته، فهذا المجتمع غير متجانس وأغلبية مواطنيه من غير الأوروبيين لا يعتبرون لتاريخه أمريكا وطناً قومياً بل فرصة عمل وكسب وصراع. ولعل الكم الهائل من الأصوات الشعبية التي حاز عليها ترامب رغم بهلوانيته إلَا عنصرية الأبيض.

ومن هنا فإن استراتيجية التعامل مع ملف كورونا وتأثيراته المالية والاقتصادية هو عامل حاسم في الاستقرار الأمريكي الداخلي. لكن السؤال هل تكون أمريكا إذا ما فاز بايدن قادرة على التعامل مع مختلف مع كل ما استقرت عليه لأربع سنوات في علاقاتها الدولية وسياساتها ومواقفها الشاذة من مختلف القضايا.

وفي الختام كان بودي أن أشطح للحديث عن وحدة الملف الإنتخابي بين إدارة ترامب والأنظمة العربية المعنية ومنها الأردن. ولكني أكتفي بالقول أن ملف الإنتخابات فيه مرتبط إجرائياً ومضموناً بمسألة صفقة القرن وعمودها التطبيع. وإن تغيير الادارة الأمريكية لن يؤثر على هذا النهج بل سيكون داعماً له، وسنحصل على مجلس نواب بخصائص تخدم ملف الصفقة وعمودها التطبيع. وتكلمت بمقال سابق عن هذه الخصائص المطلوبة في تركيبة المجلس وطبيعة نوابه،

فقرار الالتزام بموعد الانتخابات المُنكر والمُستنكر هو طلب ترامبي يُنَفذ رغماً عن ارادة الشعب ومصلحته الحيوية. ولكني لا أستبعد إن سقط ترامب ورأى النظام أن سعة المقاطعة الشعبية للتصويت ستَصعُب لفلفته ويكون فضيحة سياسية مكشوفة، أن يؤجلها في اللحظة الأخيرة.
_________
فؤاد البطاينة – كاتب وباحث عربي