المشهد اليمني الاول/

على الكيانات الخليجية أن تجهز مفاتيح خزائنها ليزورها الرئيس الأمريكي سواء بقي ترامب أو جاء غيره ، فالأول يرى أن الـ4سنوات الباقية هي المدة المتبقية له ليحلب ما حلبه ، والجديد سيرى في خزائنهم الخطوة الأولى لتحقيق شعاراته الانتخابية ليضمن دورة أخرى بعد 4 سنوات.

تهتم معظم الأنظمة والمعارضة العربية بالانتخابات الأمريكية أكثر من اهتمامها بأركان الإسلام وروابطها بالله سبحانه وتعالى ، بل إن اهتمامها بالانتخابات الأمريكية يفوق اهتمام المواطن الأمريكي نفسه ويأتي هذا الاهتمام من باب المصالح التي ينظر إليها هؤلاء،

فهذه الأنظمة تجد أن بقاءها في يد مالكها الذي وضعته ربا لها غير الرب الحقيقي الله عز وجل ، فقادة هذه الأنظمة يدركون أن البيت الأبيض مالك الملك يؤتي الحكم من يشاء وينزعه ممن يشاء ويعز من يشاء ويذل من يشاء ، وقد أثبتت السنون الماضية ذلك حيث نزعت أمريكا ملك عدد من الحكام وأذلت عددا آخر وأعزت آخرين ، ومن هذا المنطلق انطلقت هذه الأنظمة في الارتباط مع الإدارة الأمريكية سواء كانت جمهورية أو ديمقراطية.

يأتي هذا الوضع الكارثي لمن يعتبرون قيادات أمة تنتمي للنبي محمد صلوات الله عليه وعلى آله ويمتلكون معظم ثروات الأرض على جميع المستويات (ثروات مالية ومادية وبشرية ودينية وأخلاقية وفكرية وجغرافية وتاريخية) حتى أنهم تنافسوا في الخضوع لأمريكا فوصلت هذه المنافسة لأن يكون الحاكم منهم عميلا يدفع هو ثمن عمالته وآخرون يجهزون جيوشا للقتال بدلاً عن الجيوش الأمريكية وآخرون وصلت عمالتهم الى درجة ان يطوعوا الدين والأرض والعرض والتاريخ والهوية لمصالح أمريكا ، وفي رضا أمريكا فليتنافس المتنافسون.

لا يقتصر الأمر عند هذا الحد بل تجاوزه ليقودوا شعوبهم وشعوبا بجانب شعوبهم ليخنعوا لأمريكا ويقدسوها كتقديسهم لها بل يتجاوز الأمر بالنسبة لهذه الأنظمة حيث انها تستبق تفكير البيت الأبيض وأهدافه فتتسابق لتنال الرضا منه بترجمتها عمليا ويأتي على رأس هذه الأنظمة نظاما السعودية والإمارات في خضوع وخنوع وعبودية لو وجهت هذه نحو مستحقها وهو الله عز وجل لكان هذا الحاكم أو ذاك هو من يمتلك زمام الحكم والسيطرة على المستوى العالمي ،

فقد رأينا ماذا عمل النظام السعودي الحالي في عهد ترامب من إجراءات على المستوى الأسري حيث (دمر أواصر البيت السعودي الحاكم) وعلى المستوى المجتمعي (غيّر جميع المبادئ الدينية والمجتمعية رأسا على عقب) وعلى المستوى الديني (جمّد ما تبقى من آيات قرآنية كانوا يتحركون بها وأغلق الحج والعمرة ) وعلى المستوى الإسلامي (اشترى القضية الفلسطينية ثم أهداها للكيان الصهيوني تقربا من أمريكا وشن حملة عسكرية على اليمن مازالت مستمرة منذ 6 سنوات استجابة لدعوة البيت الأبيض،

حيث يجد قادة النظام السعودي في هذه الدعوة حياة لهم) والآن نجدهم يتفقون مع من يستنقص ويستهزئ بالنبي محمد صلوات الله عليه وعلى آله ولسان حالهم (قولوا ما تحبون في محمد ونحن سنهيئ الأرضية المجتمعية في شعوبنا لتقبل ذلك).

في خضم المنافسات الانتخابية الأمريكية بين المتنافسين هناك في واشنطن، هناك تنافس آخر يجري في دهاليز كراسي انظمة الدول العربية، حيث يضع هؤلاء الحكام العملاء عدة احتمالات لنتائج هذه الانتخابات وكيف يتعاملون مع النتائج ، فهذا يجد ان عقد صفقات بمئات المليارات من الدولارات هدية مناسبة يقدمها للحاكم الأمريكي ليقدمها هذا الحاكم لشعبه كهدية وعربون حب في بداية هذه المرحلة ، وذاك يرى أن السباق الى أبواب اليهود في تل أبيب وخطب ودهم والتطبيع معهم هدية مناسبة،

وآخر يرى ان رفع نبرة العداء لأعداء أمريكا سواء عسكريا أو اقتصاديا أو إعلاميا خطوة هامة للتقرب اكثر من هذا الحاكم ، والآخر يرى أن تكثيف نشر المفسدات والمنكرات المجتمعية حبا للتوجه العام والدائم للأمريكي الصهيوني رسالة استعداد من قبل قادة هذا النظام لتنفيذ أي أوامر ستنزل إليهم من إلههم القادم من سماء البيت الأبيض، وهكذا تستمر الاجتماعات مع المستشارين وعلماء البلاط بوجود عنصر استخباراتي صهيوني وأمريكي يزودهم بالنصائح في هذا الجانب.

هذه النفسية التي يمتلكها هؤلاء الحكام لم تأت نتيجة قمع أمريكي عليهم فكسرت ظهورهم وأذلتهم وجعلتهم عبيدا بالقوة وبعد معارك طويلة ، بل جاءت نتيجة تخويف الشيطان لهم كون نفوسهم تعلقت بالدنيا ووجدوا ألا طريق للدنيا إلا عبر هذه الخطوات والتسابق لكسب رضا أمريكا ومن جانب آخر بالتخويف لهم ضمن إطار (انما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه) حتى أصبحت كراسي هذه الأنظمة مرهونة بالإرادة والإدارة الأمريكية ، كما أن هذه النفسية لم تأت من وسط المجتمع العربي، فالنفوس هذه هي عظيمة بفطرتها وبأسها ورفضها لهذا الخنوع ،

بل هي نتاج تربية وتعليم أمريكي صهيوني طويل كما نعلم جميعا ان أنظمة السعودية والإمارات والبحرين والسودان ومصر ومرتزقة اليمن وغيرهم عاشوا وتربوا ودرسوا في واشنطن أو لندن فتمت صناعتهم بدقة وعناية من قبل الصهاينة وأدواتهم كيفما يشاؤون كون هذه الرؤية هي أسهل وأرخص وابسط الطرق للسيطرة والاحتلال بل والحرب الفكرية والثقافية والدينية من خلال صناعة أنظمة ظاهرها الوطنية وباطنها الأمريكية.

سواء استمر ترامب أو جاء بديلا آخر له فالسياسة الخارجية الأمريكية ستبقى كما هي خاصة في التعامل مع هؤلاء الرعاع العبيد والتي تنظر أمريكا على أنهم أدنى وأتفه وأحقر من ان يكونوا في حكم دولهم وفقا للمقاييس الخاصة بمن يحكم الدول ولهذه الصفات أصبحوا حكاما على دولهم ، وسيبقى الإذلال الممارس عليهم في اشد عنفوانه والحلب سيتطور من الحلب بالأيدي الى الحلب بالأجهزة المتطورة كتلك الأجهزة التي تحلب بها البقر الجواميس الدنماركية ، ومهما كانت حسابات هذه الأنظمة فإن النتيجة النهائية ستكون زيادة في الذل وزيادة في تقديم التنازلات وزيادة في دفع الأموال.
_____
يوسف الحاضري – كاتب وباحث في الشؤون الدينية والسياسية