المشهد اليمني الأول/

لم يشهد حدث انتخابيّ في العالم اهتماماً دولياً وعالمياً يضاهي ما شهدته الانتخابات الأمريكية الأخيرة، ففي حين أنّ المألوف بين الناس أو المتعارف عليه يتمثل بقاعدة «الانتخابات تعني شعب الدولة التي تجريها»، فإنّ شعوب العالم ودوله تصرّفت وكأن الانتخابات هي انتخاباتها الخاصة، تصرّف يربط بسبب الوضع الأمريكي والدور الذي تلعبه أمريكا في السياسة الخارجية والعلاقات الدولية والتدخل في الشؤون الداخلية لكلّ دول العالم،

حيث إنها مستندة إلى قوّتها المركبة من عسكرية واقتصادية ذاتية أو مستتبعة، وتصرفها في الأمن والسياسة والاجتماع، إنها مستندة لتلك القوة تتصرّف وبكلّ طمأنينة وثقة بالنفس بأنها حاكمة العالم وشرطيّه وسيّده الذي له الحقّ في فعل ما يريد وأن يضع له القواعد السلوكيّة التي تريد، تكافئ أو تعاقب، تهادن أو تحارب هذا أو ذاك، تفعل كلّ ذلك بإرادتها الأحادية المنفردة غير عابئة بما يُسمّى «قانون دولي عام» وقواعده الاتفاقية والنظامية.

ولأنّ أمريكا كذلك، فإنّ العالم يهتمّ بمن سيكون «الرئيس» الذي سيمارس تلك الصلاحيات الاستبدادية والسلوكيات التسلطية، يهتمّ العالم بالانتخابات ليعرف «الجلاد» الذي سيواجهه، وطبيعة الرئيس الذي سيقود العدوان عليه. يفعل ذلك بحثاً أو أملاً بتغيير في النهج والأسلوب أو مراجعة للأولويات وإعادة نظر بالخطط التي وضعت لتحقق عبرها أهداف الدولة «الجبارة». وهنا يُطرح السؤال: هل النظرة لأمريكا وانتخاباتها بهذا الشكل هي نظرة موضوعية؟ وهل سياسة أمريكا تتغيّر حقيقة بين رئيس ورئيس؟

قبل أن أجيب على التساؤل، يكفي أن أذكر بما حدث عندنا في العقدين الأخيرين، حيث إنّ الرئيس الجمهوري بوش قام بغزو العراق في العام 2003، ودفع «إسرائيل» لغزو لبنان في العام 2006، معتمداً استراتيجية القوة الصلبة التي اتخذها استراتيجيته العملية لفرض النظام العالمي أحادي القطبية، ولما آلت السلطة إلى الرئيس الديمقراطي أوباما تغيّرت استراتيجية العدوان واعتمدت القوة الناعمة ثم القوة الإرهابية العمياء استراتيجية للعدوان بالشكل الجديد، وبها قادت أمريكا عدواناً تدميرياً على 5 دول عربية مازالت تتلظّى من الحريق الذي أشعلته تلك الاستراتيجية الوحشية.

ولمّا ترك الديمقراطي الحكم وعاد الجمهوري إليه ورغم كلّ وعود الأخير الانتخابات، فإنه لم يوقف حرباً على جبهة واحدة في الشرق الأوسط ولم يُخلِ منطقة تحتلها القوات الأمريكية، وتابع بالخطط المرسومة للعدوان، دونما تغيير يُذكر في المضمون رغم بعض عمليات التجميل في الشكل.

ذكرت كلّ ذلك لأقول، إنّ الرئيس في أمريكا ليس هو أمريكا، وليس هو الملك المطلق الصلاحية الذي يصنع ما يريد، بل إن في أمريكا مؤسسات رسمية وغير رسمية تتشكل منها «الدولة العميقة» التي قد تجد نفسها في مواجهة الرئيس إنْ كانت قراراته مخالفة لما تراه «مصلحة أمريكية عليا»، وفي أمريكا «لوبيات الضغط» التي تعمل لمصالح منظومات وكارتلات، خاصة كارتلات النفط والسلاح والمال، وهي التي تملك القوة الخفيّة التي تقوّي الرئيس أو تضعفه حتى وقد تشله أو تطيح به، وهذه «الدولة العميقة» بمؤسساتها وكارتلاتها هي الحاكم الفعلي لأمريكا، وعليها يجب أن تركز الأنظار بالنسبة لما يجب ان توضع خطط المواجهة.

بيد أنّ هذا الواقع لا يعني أنّ أمريكا ارتقت إلى مصاف ما يمكن تسميته بالقدر الذي لا يُردّ والقوة التي لا تضعف والسلطان الدائم الأبديّ الذي لا يسقط، ففي أمريكا نقاط ضعف ووهن إذا تمّ تفعيلها، مترافقة مع تخفيف فعالية مصادر قوتها فإنّ الوضع يتغيّر، وإنّ «الدولة العميقة» ستجد نفسها أمام عوائق لا يمكنها تخطّيها بيسر وسهولة.

فقوة أمريكا وتماسكها الداخلي الذي يحفظ هذه القوة مرتبط بعناصر ثلاثة:

العنصر الأول: وجود الخطر المتمثل بالعدو الخارجيّ المستلزم الإعداد المتعدد الوجوه عسكرياً واستراتيجياً للمواجهة دفاعاً عن الذات.

العنصر الثاني: قوة الاقتصاد الذي يجب تسهيل دورته وتنشيطها داخلياً وخارجياً لتأمين الرفاه.

العنصر الثالث: وقد يراه البعض هو الأهمّ، وهو الدولار الذي به تمسك أمريكا بقرار العالم المالي ومن بوابته تعاقب أو تحاسب مَن تشاء من دول وكيانات وأفراد وأشخاص طبيعيين ومعنويين.

في المقابل نجد في الجسم الأمريكيّ بذور وهن وضعف لا تُخفى، بذوراً تتمثل بالتعدّدية العرقيّة والدينيّة والفكريّة والاجتماعيّة، وانتفاء التاريخ المشترك لمكونات الشعب/ الشعوب في أمريكا مع التفاوت الرهيب في نظرة المكوّن للآخر، خاصة على صعيد اللون أو العرق أو الفكر الفلسفيّ، بذوراً تكون خامدة إذا كانت عناصر القوة ناشطة متوثبة وتعطي الجسم الأمريكي المناعة اللازمة للاستمرار في مستويات القوة، ولكنها تفعل العكس إذا تراجعت في مسارات تأثيرها، وعليه نرى أنّ انتفاء الخطر الخارجي، يمكنها إذا فعلت أن تطيح بتلك «القوة الأسطورية»، أو تشلها.

انطلاقاً من ذلك نرى أنّ خطورة ما جرى أو رافق أو استتبع الانتخابات الأمريكية الحالية لا يتوقف عند النزاع حول شفافيتها أو نزاهتها، ولا يقوم على إمكانية انتقال النزاع إلى القضاء كما يهدّد ترامب، مع ما يؤثر ذلك على الثقة بمؤسسة الرئاسة والنظام ككلّ، بل الخطورة الحقيقيّة تكمن في الانقسام العموديّ في المجتمع الأمريكي، حيث تجد النصف إلا قليلاً، ضدّ النصف الآخر. انقسام يسهله أيضاً غياب العدو والخطر الخارجي الذي يدفع إلى التماسك، ورغم أنّ الدولة العميقة جهدت في السابق في اختلاق عدو لها سمّته «الإسلاموية» والإسلام السياسي أو «الإرهاب الإسلامي»،

إلا أنها اليوم باتت في شبه انكشاف لاختلاقها، ما يكاد يمثل فضيحة بعد أن كشف رئيسها ترامب بذاته تلك الفضيحة، وقال بأنّ كلّ هذا الإرهاب هو صنع سلفه (أوباما) ووزيرة خارجيته هيلاري كلينتون. وهم يتحوّلون الآن للتركيز على الصين واعتبارها العدو، إن لم يكن العسكري المباشر فعلى الأقلّ العدو الاقتصادي الواجبة مواجهته، من دون أن يسقطوا طبعاً أوراق «الخطر الإيراني» و»العدو الروسي»، الأوراق التي تتمسك بها أمريكا لحاجات داخليّة ملحة.

وإضافة إلى تراجع مسألة وجود العدو أو انتفائه، نجد إرهاصات التحدي العالمي للدولار، تحدٍّ طال الوقت أو قصر، فإنه سيتمكن في نهاية المطاف من الإطاحة بموقع الدولار الأمريكي الحاكم لمالية العالم، إطاحة لن تنتظر العقود والقرون الطويلة بل باتت مسألة سنوات قليلة، حيث سيجد الدولار نفسه مترنّحاً أمام منظومة مالية دولية تعدّ لها الصين وروسيا وإيران مع دول أخرى، ما سيؤدي إلى تأثير سلبي مزدوج على الوضع الأمريكي مالياً / سياسياً معطوفاً على الاقتصاد والاستثمار مع منتهى استراتيجي أكيد.

وعليه نقول إنه وبصرف النظر عمن سيكون سيد البيت الأبيض خلال السنوات الأربع المقبلة، بايدن الذي يهمّ بالدخول أم ترامب الذي يتمسك بالكرسي ويرفض الخروج، فإنّ النظرة في الشأن الأمريكي يجب ألا تكون إلى الانتخابات الرئاسية ونتائجها فحسب، بل إلى ما كشفته هذه الانتخابات من حقيقة وهن الجسم الأمريكي وما خلفته من تداعيات داخلية ستكون من دون أدنى شك عاملاً مؤثراً في سياسات أمريكا وسلوكياتها الخارجية، ويبقى أن يكون في مواجهة أمريكا القادة الشجعان الواثقون بكرامات أممهم وحقوقها،

فأمريكا أوهن مما يُظن، وأنّ تراجعها أسرع مما يُعتقد، فقد لا تتفكك غداً أو بعد غد، وقد لا تنشب فيها حرب أهلية بعد إعلان نتائج الانتخابات الرئاسية التي سيرفضها ما قد يصل إلى نصف الأمريكيين، لكن الأكيد أنّ أمريكا انكشفت وافتضحت حقيقتها بما لا يدع مجالاً للشك بأنها ليست مؤهلة أو قادرة على الاستمرار في حكم العالم أو بالتحكم الاستبداديّ به.
________
العميد د. أمين حطيط / كاتب وباحث استراتيجيّ لبناني