المشهد اليمني الأول/

تعهد الرئيس الأمريكي المنتخب جو بايدن بجعل المملكة العربية السعودية “منبوذة” بسبب سجلها الدموي في مجال حقوق الإنسان، ما يعني أن العلاقات الأمريكية السعودية ذات التاريخ الطويل من التقارب والتحالفات بصدد الدخول في مرحلة جديدة يتساءل الجميع حول مسار بوصلتها.

تزامن صعود ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى السلطة مع بداية فترة رئاسة دونالد ترامب، وبفضل علاقاته الشخصية مع الإدارة الأمريكية، أفلت بن سلمان من الانتقادات الأمريكية لممارساته القمعية داخل وخارج البلاد.

والآن، ومع هزيمة ترامب، أصبح الحاكم الفعلي للبلاد في موقف لا يحسد عليه، إذ تعهد بايدن بوضعه بن سلمان تحت التدقيق المتجدد والمحاسبة المستمرة، الأمر الذي قد يتركه معزولًا وسط تحديات اقتصادية تعرض أجندته الإصلاحية للخطر، بالإضافة إلى خسائره بسبب حربه الدموية في اليمن المجاورة، وتزايد وتيرة المعارضة لحكمه.

خلال فترة حكم ترامب، تعهد هو وصهره غاريد كوشنر – اللذان أقاموا علاقة وثيقة مع ولي العهد – بحماية وريث العرش السعودي، على عكس بايدن الذي تعهد بإعادة تقييم العلاقات الثنائية بين البلدين، وانتقد ما وصفه بـ “شيك خطير على بياض” من ترامب للمملكة، في إشارة إلى الضوء الأخضر الذي أعطاه ترامب لابن سلمان للقيام بأي انتهاك يريد مع توفير الحصانة والدعم الكاملين.

ووعد بايدن بتحقيق العدالة في واقعة مقتل الصحفي جمال خاشقجي عام 2018 على يد عملاء سعوديين، كما تعهد بتعليق مبيعات الأسلحة الأمريكية بسبب الحرب الكارثية في اليمن، مهدداً بجعل المملكة العربية السعودية “منبوذة” دولياً.

من ناحية أخرى، يرى المحللون أن العلاقات العسكرية والاقتصادية القائمة منذ عقود – القائمة على التعاون في مكافحة الإرهاب والحفاظ على الاستقرار في أسواق النفط – من غير المرجح أن تنقلب رأساً على عقب.

وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة قلصت اعتمادها على النفط السعودي في السنوات الأخيرة، إلا أن المملكة لا تزال عميلًا رئيسيًا لعمالقة صناعة الدفاع الأمريكية والمقاولين العسكريين.

من جانبه قال ديفيد رونديل، الرئيس السابق للبعثة في السفارة الأمريكية في الرياض، ومؤلف كتاب ” رؤية أم سراب: المملكة العربية السعودية على مفترق الطرق”، لوكالة فرانس برس: “لا شك أن إدارة بايدن ستتخذ موقفا أكثر تشددا من الإدارة السابقة فيما يتعلق بحقوق الإنسان، لكن من غير المرجح أن تتخلى تماما عن الشراكة السعودية الأمريكية”.

أفعال أم أقوال؟

تبدو الرياض حذرة من تعهد بايدن بإحياء الاتفاق النووي لعام 2015 بين القوى العالمية وإيران، وهو اتفاق مثير للجدل تم التفاوض عليه عندما كان بايدن نائب الرئيس في عهد باراك أوباما.

مزق ترامب الاتفاقية التاريخية مع إيران وقرر الانسحاب منها، في إعلان واضح لاختياره صف السعودية التي اختار الذهاب إليها في أول زيارة خارجية له كرئيس في عام 2017، تلك الزيارة التي أغدق عليه خلالها الحكام السعوديون الهدايا وملايين الدولارات.

المحلل السعودي علي شهابي كان له رأي مختلف قليلاً حول تعاون بايدن مع السعودية رغم تصريحاته ضدها، إذ قال “لا أحد يتوقع أن يسافر بايدن أولاً إلى الرياض ويؤدي رقصة السيف، لكنه يحتاج إلى السعودية من أجل أي شراء إقليمي لصفقة إيرانية جديدة، في دعم مكافحة الإرهاب، واستقرار سوق النفط، وكذلك استقرار الأوضاع فلسطين وإسرائيل”.

من الجدير بالذكر أن بايدن أعرب بشكل منفصل عن دعمه لاتفاقات التطبيع العربية الإسرائيلية الأخيرة مع دول الشرق الأوسط، بما فيها البحرين، والتي من غير المرجح أن تكون قد وقعت دون موافقة من الرياض.

ويقول مراقبون إن بن سلمان يمكن أن يستخدم ورقة تطبيع السعودية المحتمل مع إسرائيل في المستقبل – وهو أحد أكبر الجوائز الدبلوماسية للدولة اليهودية – كأداة تفاوضية للحصول على دعم بايدن.

من جانبها قالت سينزيا بيانكو الزميلة البحثية في المجلس الأوروبي للعلاقات الدولية لوكالة فرانس برس: “يعتقد الكثيرون في الرياض أن صفقة التطبيع مع إسرائيل ستضع بن سلمان في وضع أفضل بكثير مع إدارة بايدن”.

وأضافت بيانكو “سيتحدد موقف بايدن وإدارته من المملكة العربية السعودية من خلال سياساته على أرض الواقع، وليس من خلال الخطابات والتصريحات”، “سيتضح من سياساته مدى عداؤه للمملكة”.

حان وقت المحاسبة

تعهد بايدن بتعليق مبيعات الأسلحة السعودية إلى السعودية بسبب سجلها في مجال حقوق الإنسان. هذه التصريحات يعتبرها المراقبون تعارضاً واضحاً مع سجله السابق مع المملكة، حيث عرضت الولايات المتحدة على جيش المملكة -عندما كان بايدن نائباً للرئيس- المملكة ليس فقط الدعم اللوجستي والاستخباراتي، ولكن أيضًا أسلحة تزيد قيمتها عن 115 مليار دولار، أكثر من أي إدارة سابقة أخرى.

ومع ذلك، فإن أقارب سجناء الرأي السعوديين يعلقون آمالهم على بايدن، ويتوقعون أنه سيضع شروطاً أقوى مقابل حصول بن سلمان على الدعم الأمريكي، مثل المطالبة بالإفراج غير المشروط عن المعتقلين ومحاسبة المسؤولين.