المشهد اليمني الأول/

قالت مجلة “فورين أفيرز” الأميركية إن إدارة الرئيس دونالد ترامب تبّنت “نهجا عدوانيا” تجاه أمريكا اللاتينية، مما تسبب في نتائج عكسية حيث توحدت حكومات المنطقة من جميع الأطياف ضد واشنطن.

وذكرت المجلة فورين أفيرز -في تقرير للباحث في العلاقات الدولية أوليفر ستوينكل- أنه قبل عامين، أطلق جون بولتون الذي كان آنذاك مستشار البيت الأبيض للأمن القومي، على الأنظمة الاستبدادية في كل من فنزويلا وكوبا ونيكاراغوا اسم “ترويكا الاستبداد” وواجه الدول الثلاث بفرض عقوبات قاسية وبتبني خطاب التهديد.

وقال بولتون في أبريل/نيسان 2019 “اليوم نعلن للجميع وبكل فخر أن مذهب مونرو (نسبة للرئيس الأمريكي جيمس مونرو) ما زال على قيد الحياة وبصحة جيدة”، في إشارة إلى المبدأ الكامن وراء تاريخ التدخلات الأميركية الطويل والصادم في أميركا اللاتينية.

واعتبرت فورين أفيرز أن سياسة إدارة ترامب العدوانية تجاه دول أميركا اللاتينية دفعت قادة المنطقة للبحث عن شركاء آخرين يمكنهم موازنة نفوذ واشنطن، وهو الدور التي كانت الصين مستعدة بشكل كامل للعبه وباتت فعليا أكثر نفوذا وقوة من واشنطن على جميع الصعد تقريبا.

ففي فنزويلا، أدّت العقوبات إلى تهميش الشركات الأميركية مما خلق فرصة مثالية للشركات الصينية لتوسيع نفوذها، وفي حال انهار نظام الرئيس نيكولاس مادورو ستكون بكين في وضع جيد للهيمنة على جهود إعمار البلاد.

أما في البرازيل، ورغم لهجة الرئيس جايير بولسونارو المناهضة للصين وجهوده لتعزيز العلاقات مع الولايات المتحدة، فقد انخفض حجم التجارة بين البلدين إلى أدنى مستوى له منذ 11 عاما في حين ازدهرت التجارة البينية مع بكين. كما أن 34% من الصادرات البرازيلية توجه للسوق الصينية، ومن المرجح أن يؤدي التعافي الاقتصادي السريع للصين من جائحة كورونا إلى زيادة هذه النسبة.

وتؤكد المجلة فورين أفيرز أن زعماء أميركا اللاتينية راقبوا عن كثب كيف قام ترامب بإهانة بولسونارو مرارا وتكرارا، حيث فاجأه مثلا بفرض رسوم جمركية على المنتجات البرازيلية، وكان الدرس الذي استخلصوه بسيطا وواضحا وهو أن الشراكة مع واشنطن تنطوي على مخاطر اقتصادية وسياسية كبيرة.

في المقابل، تعتقد المجلة فورين أفيرز أن أمام الرئيس الأمريكي المنتخب جو بايدن فرصة لتبني مقاربة بناءة أكثر إزاء نفوذ بكين المتزايد في المنطقة.

وترى فورين أفيرز أن الأمر سيتطلب مجموعة من الخطوات منها تجنب استعداء قادة أميركا اللاتينية والتأكيد بدل ذلك على المصالح المشتركة، كما سيتعين على الإدارة الجديدة التعاطي مع انطباع قبيح رسخته إدارة ترامب وهو أن سياسة واشنطن مدفوعة إلى حد كبير بالرغبة في احتواء الصين بدلا من دعم مسار التنمية الاقتصادية لدول المنطقة.

وتضيف مجلة فورين أفيرز أنه كلما بدت لهجة واشنطن أقل تهديدا سيزيد قبول قادة أميركا اللاتينية أن تضطلع بدور الموازن للنفوذ الصيني، لذا يتوجب على إدارة بايدن أن تنأى بنفسها صراحة عن هذا النهج لأنه شكل هدية قيّمة للصينيين الذين يدافعون عن مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية، وهو مبدأ تدعمه بقوة حكومات المنطقة.

وفي هذا الإطار، سيتعين على إدارة بايدن أن توضح مثلا منذ اليوم الأول أن سيناريو التدخل العسكري في فنزويلا غير مطروح على الطاولة، وأن تضع حدا لحزمة العقوبات الواسعة التي لا تزيد المواطنين الفنزويليين إلا فقرا.

كما يتوجب أيضا على الإدارة المقبلة -تضيف المجلة- أن تصوغ أجندة إيجابية بشأن المسائل ذات الاهتمام المشترك، حيث يمكنها العودة إلى منظمة الصحة العالمية واعتماد سياسات أكثر سخاء لمساعدة البلدان الفقيرة على توفير الكمامات وأجهزة التنفس الصناعي واللقاحات ضد فيروس كورونا، ومن شأن إجراءات مثل هذه أن تقطع شوطا طويلا في مواجهة النفوذ الصيني المتنامي في المنطقة.

ويجب على واشنطن أيضا أن تؤكد وتعمّق تعاونها مع الشركاء المحليين لتعزيز حقوق الإنسان وحماية البيئة وتدعيم المجتمع المدني، كما تستطيع أن تكون حليفا في حرب دول أميركا اللاتينية ضد الفساد وتهريب المخدرات والجريمة العابرة للحدود، ومصدرا للمساعدات الاقتصادية خاصة في ظل الأزمة الحالية التي تمر بها المنطقة.

ويمكن للدبلوماسية الرئاسية الأميركية -تختم المجلة- أن تضطلع هي أيضا بدور محوري في إنهاء حالة الاستقطاب الحادة التي تعرفها أميركا اللاتينية، وقد يكون الرئيس المنتخب جو بايدن الشخص المناسب لهذا الدور بفضل درايته الواسعة بشؤون المنطقة وبفضل أسلوبه المعتدل والبراغماتي، وهي مقومات قد تمكنه من ربط صلات ذات مغزى مع القادة اليساريين (بوليفيا والمكسيك والأرجنتين) واليمينيين (البرازيل) أو مع قادة يمين الوسط (كولومبيا وتشيلي).