المشهد اليمني الأول/

تجهد الرياض لغاية تصنيف جماعة الإخوان المسلمين “إرهابية” دينيا بعد ان صنفتها كذلك عام 2014 سياسيا، الأمر الذي تحتاج دول كثيرة أن تتابعه بدقة، وأحيانا تستبقه، وعلى رأس هذه الدول الأردن الذي لا يزال أكثر من 60 من أبنائه محتجزين لدى الرياض بدعوى تعاطفهم مع الجماعة سواء في دول عربية أو تحديدا حركة المقاومة الإسلامية “حماس” في غزة، وفق منظمات حقوقية.

وسخّرت الرياض أهم هيئاتها الدينية خلال أسبوع ليَصدُر بيانٌ لهيئة “كبار العلماء” الثلاثاء الماضي يصنّف جماعة الإخوان المسلمين كمنظمة إرهابية، وألحقت ذلك الأحد بتصريحات لمفتي المملكة (ورئيس ذات الهيئة) الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله آل الشيخ من ذات الطراز، ضمن رغبة تبدو واضحة بتصنيف الجماعة الإخوان كمنظمة إرهابية “دينياً” وهنا قد تتنوع وتتعدد الأسباب.

لماذا تكفّر الرياض الإخوان مجددا؟

إذ وبخلاف النتائج، فليس من الصعب التكهن بالاسباب التي تجعل المملكة العربية السعودية تكثّف تصريحاتها ضد جماعة الاخوان المسلمين، قبيل زيارة وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو للمنطقة والتي بدأها فعلا من باريس وسيختمها بالرياض، بعد نحو أسبوع مروراً بإسرائيل وقطر والامارات، وكذلك قبل ترؤس المملكة قمة العشرين بعد أيام.

المثير أن المصفقين للبيان لم يكونوا كثراً، وإن كان على رأسهم إسرائيل حيث أعاد حساب وزارة الخارجية الإسرائيلية الذي يغرّد على موقع تويتر باللغة العربية نشر البيان ومعه تعليقات تشجع ما قالته الرياض. وهنا التضامن الإسرائيلي ليس مفاجئاً حيث لإسرائيل مصلحة بتصنيف الجماعة الإخوانية كإرهابية دولياً لغايات التضييق على (أو حتى التخلص مِن) حماس، كما لديها (أي إسرائيل) مصالح بالتقارب مع الرياض ومغازلتها.

المهم أن التحرك السعودي، الذي بات مدعوماً اسرائيلياً، يتزامن مع زيارة مثيرة للجدل لبومبيو طبَعها سلفاً بالحديث عن الأديان وحريتها، إذ سيزور اسطنبول، ويبحث فيها ملف “حرية الأديان” مع بطريرك القسطنطينية المسكوني برثلماوس الأول، وفق موقع السفارة الامريكية، في خطوة أثارت مسبقا الجدل عن الرسالة التي يوصلها الدبلوماسي الأول لانقرة بالتزامن مع التشدد ضد الرئيس رجب طيب اردوغان من معظم الدول التي يزورها في طريقه.

بهذا المعنى، قد يظهر احد الأسباب في تكثيف هذه الحملة، ان “حلفاء” إدارة ترامب في المنطقة يحلمون بأن تفي الولايات المتحدة بوعدها قبل رحيل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من البيت الأبيض لمصلحة خصمه جو بايدن، فتصنف الجماعة كإرهابية، وهذا سيناريو قد لا يتم استبعاده في وقت يقلق فيه معظم الخبراء الاستراتيجيين في الامن القومي الأمريكي من خطوات متهورة قد تتخذها الإدارة العرجاء (وهذا توصيف امريكي للادارات في المرحلة الانتقالية).

التصنيف المذكور اذا حدث، سيخدم طبعا الرياض في عهدة ولي العهد محمد بن سلمان ليس فقط في قيادة محور مضاد لتركيا وقطر، وانما أيضا في شرعنة سجنها لكثيرين من أصحاب الجنسية السعودية وغيرها (وهذا يشمل الأردنيين والفلسطينيين)، في ظل رئيس قد يكون معنيا بحقوق الانسان اكثر بكثير من سلفه ترامب.

في المقابل، فقد يكون من الأسباب أيضا ما ناقشته الفضائية الألمانية دي دبليو في مسائيتها الإثنين (أمس)، حيث وجود محاولة محتملة أيضا للتبرؤ السعودي من أي محاكمة غربية للفكر الوهابي والذي نقلته الرياض لاوروبا بأشكال متعددة من بينها تمويل مساجد ومؤسسات تعليمية، بعد تراكم الاحداث والأفكار لدى الغرب حول الإسلام والمسلمين.

إلى جانب كل ذلك، فإن صعود حظوظ المرشح الديمقراطي جو بايدن في الانتخابات الامريكية قد تهدد فرص بقاء الاستقطاب في الخليج وتوحي باحتمال وجود انفراجة مع قطر، ما يجعل الرياض تحاول العودة خطوتين الى الوراء حيث العرض القطري المبكر بالتخلي عن الإخوان المسلمين، لتكون الجماعة سلّماً للنزول عن شجرة التصعيد بين دول الخليج.

في الأثناء تخوض قطر ومعها تونس وخلال زيارة مطولة اجراها الرئيس التونسي قيس سعيد محاولة على ما يبدو للرد على التحرك السعودي بإطلاق حوار إسلامي غربي، ولكن فرص نجاحها لا تزال مجهولة، كما لا تزال مضامينها غير معروفة خصوصا اذا ما كانت ستدافع عن الجماعة او لا في هذا التوقيت الذي قد تكون فيه كبشا حيويا للجميع.

إخوان الأردن ومسجونو الرياض.. إلى اين؟

تزامنا مع كل يحصل، يراقب الأردن هذه التطورات بحذر، ويراقبها ورثة الجماعة لديه، والتي تذكّر عمان في كل المناسبات انها (أي الجماعة) لم تعد موجودة منذ رعاية الانشقاقات فيها وترخيص جمعية مضادة لها وحزب زمزم. لتتحول الجماعة في البلاد لحزب سياسي هو جبهة العمل الإسلامي والذي حصد (بالتحالف الوطني للإصلاح) نحو 10 مقاعد في البرلمان الجديد.

بهذا المعنى يرى الأردن الرسمي انه حمى الإخوان المسلمين لديه من ان يتحولوا لحطب محرقة في الإقليم، خصوصا وان الأخيرين ملتزمين هوامش مناورة محدودة جدا أدت للحصة المتواضعة التي شهدها البرلمان مؤخرا، والتي وان لم ترضِ كثيرين في الجماعة، يدرك القياديون الذين اتخذوا قرار المشاركة انها تمنحهم حصانة إضافية ضد أي تغيرات وتقلبات.

مقابل كل هذا، لا يزال اردنيون قابعين في السجون السعودية بانتظار ان يُبت في مصيرهم، وهو امر لا يبدو ان الرياض تساوم فيه، رغم عودة الحديث عن مشاريع مع الأردن تتضمن سكة حديد ومستشفى جامعي وزيادة في رأس مال صندوق الاستثمار الجامد منذ سنوات، ورغم أيضا النشاط الكبير الذي يمثله السفير السعودي نايف بن بندر السديري في عمان وهو يجول كل المناطق ويزور معظم المسؤولين ويسامرهم ويسألهم.

هنا لا يزال اردنيون يسألون، إلى متى ستنتظر عمان في كل هذا الاستقطاب، خصوصا مع تصريحات المنظمات الحقوقية عن ظروف قاسية لسجون الرياض، وهنا رواية شهدت بعض التشكيك من بعض اسر المسجونين. في ظل مناقشة هذا الملف مرارا مع وزير الخارجية الأردني ايمن الصفدي سابقا والذي اصر على التكتم على مجريات الملف.

بكل الأحوال، عمان وبرغم غرقها الداخلي في ملفي الصحة والامن، ينتظر اردنيون من دولتهم استثمار الازمة لدى الجميع والتحرك قبل تحرك سعودي مضاد قد يسهم بتعقيد المشهد اكثر، في حين لا يكاد قياديو الاخوان المسلمين يلتقطون انفاسهم بين تحرك سعودي قاسٍ وبين اخر قطري مبهم.