المشهد اليمني الأول/ “خاص”

ما وراء الـ فراغ الأمني والعسكري

بالظاهر مصالح دول الاستعمار والاحتلال وعلى ارض الواقع احتلال ونهب للخيرات وتشويه للإسلام وتمزيق للأرض والانسان، ثم تسهيل للصهاينة اليهود بالانتقال من أوروبا عبر السلطنة العثمانية للاستيطان، ثم عبر بريطانيا وأمريكا بالأمن والحماية والتمدد وخيانة التطبيع، حتى امسى الفلسطيني ابن البلاد هو المُحتل والصهيوني اليهودي هو المُحرر وصاحب الحق، فكانت فلسطين عربية اسلامية 100% وامست عبرية يهودية ويراد من النيل للفرات خط أبيض خط أزرق.

فراغ أمني وعسكري لدولة المماليك، والسلطنة العثمانية تملئ الـ فراغ

دولة المماليك لم تعد قادرة على الدفاع عن أمبراطوريتها ، فالبرتغال احتلوا عدن وعُمان، والبوارج العسكرية البرتغالية تجوب البحر الأحمر والخليج العربي دون اي مقاومة، فيما كثرت المنازعات بين قيادات وأمراء المماليك، فلم تعد قادرة على أن تقوم بدورها الفعّال كما كانت تقوم به من قبل، وهذا ما أغرى السلطان العثماني بها.

وقد نجح المماليك بعد قيام دولتهم في التصدّي لخطرين، حيث انتصر سيف الدين “قُطُز” في عين جالوت بفلسطين على المغول التتار، في سابقة لم تحدث من قبل، في الوقت الذي عجز فيه الأيوبيّون حكّام الشام في التصدّي للمغول بتخاذلهم عن المواجهة والقتال، ثمّ تابع خليفته “الظاهر بيبرس” استكمال المسيرة الظافرة في الجبهتين معاً، فحارب المغول والصليبيّين، وألحق بهما هزائم فادحة واكتسب المماليك شرعيّتهم في الحكم وتقدير الناس لهم، باعتبارهم حماة الإسلام والمدافعين عن أهله وأرضه،

وظلّت دولتهم تقوم بهذا الدور في الفترة الأولى من عهدها المعروفة باسم دولة المماليك البحريّة حتّى كان لهم شرف إخراج الوجود الصليبيّ من الشام، والقضاء على خطر المغول وكان لفرسانها في جهادهم ضدّ حملة الفرنسي لويس التاسع بلاء حسناً، وضربوا أروع الأمثلة في الشجاعة والفداء.

مبررات الغزو والاحتلال العثماني

اتهام السلطنة العثمانية لدولة المماليك بالتحالف مع إيران الصفوية الشيعية ضد بني عثمان، فكانت معركة مرج دابق في شمال حلب سوريا عام (1516 م)، حيث انتصر فيها العثمانيّون، ومنها احتلوا الوطن العربيّ.

حيث دام حكمهم له أكثر من (500) عام، وكان عدد المستوطنات الصهيونية صفر حينها وعند خروجهم من فلسطين وتسليمها لبريطانيا بلغ عدد المستوطنات 67 مستوطنة صهيونية، تنعم بالأمن والأمان تحت ظلال الطربوش العثماني الذي انهى المهمة بنجاح ثم تحول الى العلمانية الغربية، والإسلام هو سبب تخلف تركيا كما قال الثوار اتاتورك وعدنان مندريس وعصمت اينونو .. واليوم أردوغان يكرر التاريخ وعند انتهاء المهام سيقال الإخوان إرهاب وسبب مآسي تركيا ثم العلمانية من جديد.

مبدأ الوئام البريطاني يحل محل الـ فراغ الأمني والعسكري للسلطنة العثمانية

قرن الشيطان نبت في عام 1745م من نجد، والمجتمع كافر وأهل جاهلية، وبريطانيا تحتل الهند في عام 1757م، والهند دولة مشركة وكافرة والتجارة معها حرام حسب التوحش الوهابي، والسفن الهندية التجارية ممنوع من الرسوء في موانئ الخليج والساحل الغربي للبحر الاحمر، والقرصنة تعم البحر العربي، كذلك بالسلب والنهب وذبح البحارة الهنود وبريطانيا العظمى تقول ان الملاحة البحرية وخطوط التجارة البحرية العالمية بين الشرق والغرب في خطر.

فدمرت البوارج البريطانية اساطيل القواسم المتهمين بالتحالف مع التوحش الوهابي، واحتلت عُمان والخليج وفرضت معاهدات الحماية على قطر والبحرين وعُمان وإمارات الصلح البحري السبع ” الإمارات حاليا”، والكويت واحتلت جزيرة بريم وعدن والجنوب اليمني والصومال.

وفي سنة 1869م، افتتحت قناة السويس التي تربط البحر الأبيض المتوسط بالبحر الأحمر والمحيط الهندي، فاشترت بريطانيا مديونية فرنسا التي شقت قناة السويس، وأصبحت 44% من اسهم القناة ملكاً لبريطانيا التي احتلت مصر والسودان 1882م، وأعلنت بريطانيا سياسة ” الوئام البريطاني ” والتي تعني سيادة المصالح التجارية البريطانية في المحيط الهندي والبحر العربي والخليج والبحر الأحمر،

والقناة كبحيرة مغلقه للبوارج الحربية البريطانية وعدم السماح بدخول دول أخرى اليه في ظل عجز السلطنة العثمانية عن حماية الإمبراطورية والتي تلقت هزائم من روسيا القيصرية في أسيا الوسطي واحتلال المغرب العربي من فرنسا واسبانيا وتقسيمه ولشغل الـ فراغ الذي تركته السلطنة التي انتهت في الحرب العالمية الثانية 1918م وليبدا عصر بريطانيا العظمى الاستعمار “وسايكس بيكو” ووعد بلفور” وتقسيم الوطن العربي وفلسطين وظهور الكيان اللقيط في قلب الأمة الإسلامية.

مبدأ ايزنهاور أمريكا يحل محل الوئام البريطاني لملئ الـ فراغ الأمني والعسكري في الشرق الأوسط

في يوليو 1956 قام عبد الناصر بتأميم قناة السويس، فكان رد “أنطوني إيدن” الذي خلف تشرشل لرئاسة الوزراء هو التواطؤ مع فرنسا لتصنيع عدوان صهيوني على مصر، مما يمنح بريطانيا وفرنسا ذريعة للتدخل عسكرياً واستعادة القناة.

وبدأ العدوان الصهيوني على مصر من يوم 25 أكتوبر/تشرين الأول، وصولاً للإنذار البريطاني الفرنسي، يوم 30 أكتوبر/ تشرين الأول 1956م، ومهلة الـ12 لوقف القتال، وإلا سيتم التدخل العسكري لحماية الملاحة في قناة السويس، وكان الرد المصري حاسماً بالرفض القاطع للإنذار بكل ما جاء فيه والتأكيد على المقاومة حتى النهاية.

وفي يوم الاثنين 5 نوفمبر/ تشرين الثاني 1956، بدأت الغارات الفرنسية البريطانية وأحرقت القوات البريطانية حي المناخ بالكامل بالنابالم، حيث يمثل هذا الحي ثلث المحافظة، وتناثرت الجثث بالشوارع، ثم قامت القوات الفرنسية والبريطانية بعمليات إنزال مظلي، وبرمائي والإنزال الرأسي بواسطة الهيلوكوبتر البريطاني يوم 6 نوفمبر/ تشرين الثاني وهو ما عرف بالعدوان الثلاثي على مصر فتم احتلال بورسعيد والسيطرة على 35 كيلومتر بطول القنا، إلا أن موسكو وجهت انذار شديد اللهجة.

حيث قال الزعيم السوفيتي “نيكيتا خروتشوف”: “لقد عزمنا عزماً أكيداً على سحق العدوان وإعادة السلام إلى الشرق الأوسط عن طريق استعمال القوة، وعلى دول العدوان الثلاثى أن تنهى عدوانها فوراً على مصر، وتسحب قواتها، وإلا فإنه سيضرب لندن وباريس بالصواريخ النووية”.

ظهور مصطلح الـ فراغ الأمني والعسكري

وبالفعل تحقق الانسحاب وحقق جمال عبد الناصر انتصاراً سياسياً كبيراً وانتصرت الإرادة المصرية، شكل هزيمة بريطانيا بداية النهاية للاستعمار البريطاني ومن هنا ظهر مصطلح الـ فراغ الأمني والعسكري في الشرق الأوسط الناتج عن تلاشي النفوذ البريطاني والفرنسي في المنطقة، فظهر مبداء “ايزنهاور” لملئ الـ فراغ الاستعماري عوضاً من بريطانيا وفرنسا.

حيث يحتوي هذا المشروع على تكليف الرئيس الأمريكي سلطة استعمال القوة العسكرية، في المجالات التي تكون ضرورية لكفالة السلامة الإقليمية، والدفاع عن أي دولة في منطقة الشرق الأوسط من حلفاء أمريكا عسكرياً وسياسياً واقتصادياً، وضمان أمن الكيان الصهيوني جاء ذلك في رسالة وجها الرئيس الامريكي “داويت ايزنهاور” للكونجرس الأمريكي في 5 يناير 1957م ،

فعرف بمبدأ ايزنهاور، وكانت اول تدخل عسكري امريكي في لبنان 1958م ضد قوى التحرر الوطني اللبناني، واستمر هذا المبدأ حتى تاريخه، حيث تشهد أمريكا اليوم تحديات داخلية وخارجية، وبغض النظر عن الاسباب فان أمريكا في طريقها للانسحاب والخروج من منطقة الشرق الاوسط عسكرياً وسياسياً مما سيسبب حسب المفهوم الاستعماري الامبريالي الصهيوني الى حدوث فراغ امني عسكري في الشرق الاوسط،

والقصد هو حماية الكيان العبري والانظمة التابعة للغرب المتوحش من حركات المقاومة بعد ما فعله التوحش الاخواني والوهابي وانظمة السعودية واللإمارات وقطر وتركيا من يناير 2011م تبعا لمخطط مرسوم سلفا بحلول قوة ما ستحل محل أمريكا التي تترنح بالخارج والداخل معا.

من سيحل مكان مبدأ ايزنهاور لملئ الـ فراغ

إيران ومحور المقاومة هي البديل وهذا مرفوض صهيونياً، فهل صدام ما امريكي إيراني سيؤدي الى تحطيم أمريكا وإيران وحلفائها معاً؟ ولمصلحة تحالف ما يقال عنه سُني صهيوني لملئ الـ فراغ الأمني والعسكري في الشرق الأوسط؟ هذا ما يراد له ان يكون في ظل عدم مقدرة روسيا او الصين او الهند ان تلعب نفس دور بريطانيا وفرنسا الاستعمار او أمريكا الامبريالية.

خيبة وبؤس

اعتقاد الصهيونية ان تحالف الكيان العبري مع تركيا وقطر والسعودية والإمارات ودول التطبيع الخيانة “الناتو السني الصهيوني اللا منتظر” هو الذي سيحل محل مبدأ الوئام البريطاني او مبدأ ايزنهاور الأمريكي فذاك حقا خيبة وبؤس.
_____
المحرر السياسي – المشهد اليمني الأول
20 نوفمبر 2020م