المشهد اليمني الأول

المشهد اليمني الأول/

تنطلق في وقت لاحق اليوم الخميس قمة أوروبية في بروكسل لمناقشة الخلافات وعدة ملفات ساخنة، من بينها فرض عقوبات على تركيا لقيامها بنشاطات استكشافية في مناطق بحرية تدّعي اليونان ملكيتها.

وطوال الأشهر الماضية، دفعت الحكومتان الفرنسية واليونانية باتجاه اتخاذ أوروبا موقفا حازما تجاه أنقرة. ومع اقتراب القمة، حرص عدة زعماء أوروبيين على تأكيد وحدة موقفهم تجاه تركيا، وبدا أن العقوبات باتت أمرا محسوما.

لكن الملف التركي يبدو بالغ التعقيد وقد يثير خلافات قوية في قمة اليوم، إذ تعلو أصوات ترفض الصدام مع تركيا وتفضل تغليب المصالح.

وفي حين أرسلت بعض الحكومات إشارات على أنها لا تتبنى نهج الرئيس الفرنسي في التعاطي مع الشأن التركي، تحدث دبلوماسيان إيطاليان عن توقعاتهما لمخرجات القمة فيما يتعلق بالملف التركي.

تسريبات وخلافات

وفي وقت سابق، نقلت رويترز أنها اطلعت على مسودة لبيان القمة الأوروبية، جاء فيه أن “الاتحاد سيعدّ قوائم إضافية لقائمة العقوبات المعدة بالفعل منذ 2019، وسوف يعمل على توسيع نطاقها إذا تطلب الأمر”.

وذكرت تقارير غربية أن المفاوضات بشأن البيان ما تزال جارية.

ووفقا لتصريحات دبلوماسيين مطلعين على المناقشات، فإن اليونان وقبرص -اللتين تتهمان تركيا بالتنقيب عن النفط والغاز قبالة الجرف القاري لكل منهما- تعتقدان أن العقوبات لا تصل إلى مدى كاف.

وذكرت وكالة الأنباء الفرنسية أن مسألة العقوبات على تركيا الخلافات”ملف حساس”، ونقلت عن مسؤول أوروبي قوله إن كل الدول الأعضاء تدين موقف أنقرة، لكن “المصالح تختلف ويبدو أن المناقشات ستكون صعبة”.

وأكد وزير أوروبي أنه “ستكون هناك قرارات، لكن حجمها لم يُقبل بعد”.

وترفض دول عدة -منها ألمانيا وإيطاليا وبولندا- الذهاب إلى عقوبات اقتصادية، أو فرض حظر على دولة عضو في حلف شمال الأطلسي، وفق وكالة الأنباء الفرنسية.

وقال دبلوماسي إن “سلوك تركيا عزز وحدة الاتحاد الأوروبي ستكون الرسالة حازمة”، وأكد دبلوماسي آخر أن الرغبة في مواصلة الحوار “لا تعني غض النظر عن الاستفزازات”.

نرفض العداء والنفاق

من جانبه، أكد وزير خارجية المجر بيتر سيارتو أن بلاده تعتبر تركيا شريكا إستراتيجيا للاتحاد الأوروبي، وأنها تستند في سياستها على هذا المبدأ بدلا من العداء والنفاق وازدواجية المعايير تجاه أنقرة.

سيارتو الذي يجري زيارة رسمية إلى تركيا، شدد لوكالة الأناضول على أن أنقرة حليف إستراتيجي، ليس فقط للمجر، “بل نعتبرها كذلك للاتحاد الأوروبي، لأنها دولة جارة له وذات اقتصاد قوي”.

وبشأن ادعاءات ابتعاد المجر وبولندا عن الاتحاد، قال سيارتو “نحن جزء منه وأعضاء فيه. نريد أن نجعل الاتحاد أقوى، لكننا لا نتفق مع الآخرين (ولم يحددهم) حول كيفية تقويته”.

وبخصوص ملف الهجرة، قال “لدينا نهج مختلف، وهو أنه يجب علينا مساعدة المحتاجين في أماكنهم وتحسين ظروفهم، وليس تشجيعهم على السير نحو أوروبا من تركيا”.

وتلعب تركيا دورا مهما في احتواء المهاجرين ومنع تدفقهم إلى أوروبا، ومن شأن تخليها عن هذا الدور أن يدخل أوروبا في أزمة لجوء كبيرة.

وقال وزير خارجية المجر إن تركيا تعتزم الوصول قريبا إلى المراتب العشر الأولى عالميا في الاقتصاد، “وبالتالي ينبغي علينا زيادة التعاون معها ورفع تجارتنا (من 3 مليارات دولار) إلى 5 مليارات سنويا”.

وأشار إلى وجود 30 شركة تركية في المجر توظف حوالي 5 آلاف شخص، مضيفا أن الشركات المجرية تولي أهمية كبيرة للسوق التركية المتنامية.

لا للصراع الأيديولوجي

وفي هذا الصدد، قال النائب المجري مارتون غيونغيوسي إن من الصعب على الاتحاد الأوروبي إيجاد حلول لملف الهجرة والأزمات في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من دون التعاون مع تركيا.

وأضاف “تركيا والاتحاد الأوروبي حلفاء من الناحية الجيوسياسية والتجارية والسياسية”.

ولفت إلى أن التطورات في شرق البحر المتوسط تُوتر العلاقات بين الاتحاد الأوروبي وتركيا، مشددا على ضرورة اتخاذ خطوات ملموسة وبسرعة في هذا الصدد، بمشاركة أكبر من قبَل المجتمع الدولي.

وأكد غيونغيوسي على ضرورة عدم تحويل القضايا الخلافية بين الاتحاد الأوروبي وتركيا إلى صراع أيديولوجي بين الجانبين.

وقال: “إذا أرادت تركيا الانضمام إلى الاتحاد فيجب أن تقبل بشروطه، أما إذا تخلت عن هذا الهدف فهذه ليست مشكلة، لأن بريطانيا مثلا وجدت صيغا مختلفة للعمل والتعاون مع الاتحاد الأوروبي”.

أمر لن يحدث

وقد استبعد خبيران إيطاليان متخصصان بالسياسة الخارجية، صدور قرارات بفرض عقوبات على أنقرة خلال القمة الأوروبية.

وقال السفير الإيطالي السابق لدى أنقرة كارلو مارسيلي إن القمة لن تتبنى قرارات بفرض عقوبات على تركيا، إلا أنه يمكن أن “تصدر عنها قرارات أخرى”.

وعلل ذلك بأن قرارات العقوبات لا بد أن تصدر بالإجماع داخل المجلس الأوروبي، وهو الأمر الذي لن يحدث “نظرا لأن إيطاليا غير مؤيدة لقرار فرض العقوبات، وكذلك ألمانيا الرئيس الدوري للاتحاد”.

وأضاف “لا أعتقد أن المجر ورومانيا أيضا ستقبلان قرار فرض العقوبات على تركيا”.

أما الأكاديمية الإيطالية فاليريا جيانوتا، فقالت إن المناخ العام في بروكسل تجاه تركيا أكثر توترا من القمة السابقة، وإن فرنسا وقبرص الرومية هما اللتان تتسببان في ذلك.

وأعربت عن اعتقادها أن بعض الدول -ومنها إيطاليا وإسبانيا وألمانيا- تتوسط من أجل الحفاظ على أجندة إيجابية وموقف معتدل مع تركيا.

واستدركت “إلا أنه بسبب الخلافات الحادثة بين أنقرة وباريس مؤخرا، فإن فرنسا تمارس ضغطا في الاتحاد الأوروبي على تركيا، مما يصعب الأمر”.

وأوضحت أنه يمكن أن تصدر إدانة شديدة لتركيا من قمة بروكسل، داعيا كل طرف لأن يفكر مليا في مسؤولياته لتحقيق حوار بناء.

وفي مسألة العقوبات، قالت إنها يمكن أن تضرّ بمصالح أوروبا التي ترى أنقرة شريكا تجاريا مهما لها، وخاصة ألمانيا وإيطاليا اللتين تعدان من أهم المصدرين لتركيا.