المشهد اليمني الأول

المشهد اليمني الأول/

 

يتزامن تصريح سفير العدو الاسرائيلي لدى الولايات المتحدة “رون دريمر”، أن بلاده “تشعر براحة كبيرة” لبيع طائرات “إف-35” للإمارات، كمحاولة لتبديد شكوك أعضاء الكونغرس في الصفقة، مع نشاط مكثف لعقد مصالحة خليجية، تبدو خلافية بين السعودية والامارات، حيث توحي الاشارات بخلاف، وبامكانية اجرائها بين السعودية وقطر بمعزل عن الامارات التي سربت عبر تغريدة محذوفة أن كلمة الفصل لها وأنها القائد الفعلي للخليج والسعودية .

يمكن اعتبار أن المشهد الخليجي وفي السعودية المستجد صراع على منصب شرطي الخليج، ويمكن توسيعه ليشمل الصراع على قيادة “شرق اوسط جديد”، يتبارى فيه المتصارعون على الاقرار الأمريكي عبر البوابة الاسرائيلية، سواء عبر الارتماء الاماراتي غير المحدود وغير المنضبط في الحضن الصهيوني، أو عبر التمنع والتلكؤ السعودي والتظاهر بالتلاسن والمعارضة كما فعل “تركي الفيصل” ونفي اللقاءات السرية بين نتنياهو وبن سلمان.

المؤكد أن هناك غضبًا في السعودية من اللقب الذي منحه كوشنير لمحمد بن زايد، وهو “قائد الشرق الاوسط الجديد”، ويزداد الغضب حدة مع غموض مستقبل ابن سلمان ووضعه الحرج بسبب فوز بايدن والفشل الذريع باليمن، وهو ما يؤدي لسياسة سعودية مرتبكة متراوحة بين عدم القدرة على الخروج من صف التطبيع واغضاب أمريكا، وخاصة مع اقرار بايدن للتطبيع الخليجي، وكذلك التمنع في المضي قدما بغية الاحتفاظ بورقة للمقايضة في مقاربة مفادها “التطبيع مقابل العرش لابن سلمان”.

وما يزيد من المعضلة السعودية، هو الاحتفاظ بحالة العداء غير المبرر استراتيجيًا لايران ومحور المقاومة، وهو ما يجعل انضمامها حتميًا لتحالف امريكي اماراتي صهيوني، عقيدته الرئيسية هي العداء لايران وحصارها والحرب عليها، وبالتالي تجد السعودية وفقًا لما ألزمت به نفسها، دولة من الدرجة الثانية في هذا الحلف، وهو ما لا يستقيم مع تطلعها لقيادة الشرق الاوسط الاسرائيلي الجديد!

هو تنافس على العار، وتسابق على مقعد الشيطان، وأحقاد متعددة الفوهات، تتنوع مخاطرها بين الداخل والخارج في المنطقة بأسرها.

هذا المشهد ينبغي تحليله وفقا للمعطيات التالية في تقديرنا:

اولًا: تأتي هذه الممارسات متسقة مع تحركات ترامب في أيامه الأخيرة بالسلطة، لقطع الطريق على بايدن وتوريطه، وكذلك كبداية مبكرة لحملة العودة للرئاسة في 2024 سواء لترامب نفسه أو لبومبيو وفقًا لما تم تداوله وتسريبه مؤخرًا.

ثانيًا: بملاحظة أن من أطلق حملة الكونجرس لمعارضة الصفقة مع الامارات هم ثلاثة من أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي على رأسهم الديمقراطي كريس مورفي المقرّب من الرئيس المنتخب جو بايدن، فإن موقف بايدن من الصفقة لا يبتعد عما قاله مورفي من أنّ الإمارات انتهكت في الماضي شروط استخدام العديد من الأسلحة التي اشترتها من الولايات المتحدة من خلال استخدام بعض منها في الحروب الدائرة في ليبيا واليمن.

كما أوضح مورفي في بيان “أنا أؤيّد تطبيع العلاقات بين “إسرائيل” والإمارات العربية المتحدة، لكن لا شيء في هذه الاتفاقية يلزمنا بإغراق هذه المنطقة أكثر بالأسلحة أو تسهيل حصول سباق تسلّح خطير”.

وهو ما يؤكد أن الصفقة تأتي في اطار اجبار بايدن على مسار ترامب بمخاطره ونذره وتصويره على هيئة المفرط لو التزم برؤيته للتعاطي مع الصراع في المنطقة.

ثالثًا: تعيين بايدن للجنرال المتقاعد لويد أوستن، في منصب وزير الحرب، هو اشارة لتوجهات بايدن، يمكن أن يفهم منها امران:

1- احتواء الوضع الداخلي الذي أفسده ترامب باعتبار الجنرال أوستن سيكون أول أمريكي من أصول إفريقية يشغل منصب وزير الحرب في تاريخ الولايات المتحدة.

2- الجنرال أوستن هو آخر قائد للقوات الأمريكية في العراق، وتحت أمرته جرت عملية الفجر الجديد وخلالها تم سحب آخر جندي أمريكي من العراق، وتم استبدال التدخل العسكري الصريح بتدخل غير مباشر عبر الاعتماد على تدريب قوى رديفة، وهو النموذج المتوقع أن ينتهجه بايدن عسكريًا بالابتعاد عن سياسة حافة الهاوية في الصراعات واللجوء لأساليب أخرى لاستعادة مصالح أمريكا المهددة بسبب سياسات ترامب.

رابعًا: هناك اشارات شبه مؤكدة أن فترة بايدن الأولى ستنكفئ على الداخل وأن السياسة الخارجية ستكون في خدمة السياسة الداخلية، وكما رصد سيرجي ميخائيلوف كبير الخبراء في المعهد الروسي للدراسات الاستراتيجية، فإن الديمقراطيين يحاولون التعلم من هزيمتهم في عام 2016، عندما فاز دونالد ترامب، بفضل دعم الطبقة الوسطى، بالانتخابات الرئاسية،

وبالتالي فقد أجرى بايدن تعيينات رئيسية في المناصب المسؤولة عن السياسة الخارجية للبلاد من أجل مصالح الطبقة الوسطى، وعلى رأسها ترشيح أنتوني بلينكين لمنصب وزير الخارجية، وتعيين جيك سوليفان مستشارًا للأمن القومي، حيث شارك جيك سوليفان بنشاط في مشروع السياسة الخارجية للولايات المتحدة.

ووفقًا لتقرير فورين بوليسي، فإنه وابتداءً من عام 2017، قام سوليفان وعشرات الآخرين، بعمل مشروع نظمته مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، وكانت النتيجة النهائية، التي نُشرت في سبتمبر، تقرير بعنوان جعل السياسة الخارجية للولايات المتحدة تعمل بشكل أفضل بالنسبة للطبقة الوسطى.

ويقول التقرير إن الأمريكيين يريدون أن تنخرط بلادهم في العالم، لكن ليس بأي ثمن، وسيعطي التقرير أجندة جديدة لما بعد ترامب تكون الأولوية فيها لقضايا مثل التأهب للوباء والوقاية منه، الأمن الإلكتروني، حماية سلاسل التوريد الحرجة، دعم البحث والتطوير والابتكار، تنمية القوى العاملة، وطرق توفير فرص أفضل للمجتمعات المتعثرة عبر نشر النطاق العريض للانترنت عالي السرعة، وهو أمر حيوي للوصول إلى التعليم والأعمال والفرص، في جميع أنحاء البلاد بنفس الإلحاح الذي طرحه الرئيس السابق دوايت دي أيزنهاور لنظام الطرق السريعة الوطنية في ذروة الحرب الباردة.

والخلاصة أن هذا النهج الجديد سيتطلب كسر الصوامع التي طالما قيدت صنع السياسة الخارجية، والتي ركز فيها الاستراتيجيون والدبلوماسيون على الأمن والمنافسة الجيوسياسية بينما تُركت قضايا النمو المحلي والمساواة الاقتصادية للآخرين.

المفارقة هنا هي أن محور المقاومة ثابت على مبادئه ولم يعانِ من معضلة وارتباك حلفاء ترامب والصهاينة، بينما التخبط يسود المعسكر الآخر والذي فقد مصداقيته، وخسرت أوراق ضغطه فاعليتها وبات الصراع بين مكوناته حتميًا!
________
إيهاب شوقي