المشهد اليمني الأول

المشهد اليمني الأول/

لا تنتظر صنعاء إشادة أممية أو دولية، أو حتى اعترافاً من خصومها، بكونها لم تتخلَّ عن إبداء المسؤولية فيما يتعلق بالآثار والتداعيات الناجمة عن حرب اقتصادية موازية لحرب عسكرية، بدأها تحالف دول العدوان بقيادة السعودية والإمارات، في 26مارس 2015، إذ كان لها السبق في فرض الملف الاقتصادي ضمن أهم الملفات والمحاور التي تضمنتها بنود مشاورات استو كهولهم السويد في ديسمبر 2018.

اتفاق السويد الذي كان واضحاً وصريحاً في السياق الاقتصادي، جاء كما يقول القائم بأعمال رئيس اللجنة الاقتصادية العليا ومحافظ البنك المركزي بصنعاء، هاشم إسماعيل، “بناءً على ضغط ومتابعة وإصرار من قبَل وفدنا الوطني المفاوض، وهذا الأمر لم يكن جديداً في اتفاق السويد وإنما سبقه إصرارٌ منذ أولى جولات المشاورات في إدراج المِـلَـفِّ الاقتصادي ضمن المشاورات.

لكنه في السويد كان لافتاً، فقد نص الاتفاق صراحةً على إيداع إيرادات موانئ الحديدة في حسابٍ خاص بالبنك المركزي في محافظة الحديدة، وتقوم الأمم المتحدة بإلزام المجتمع الدولي والطرفِ الآخر بتغطية فجوة العجز ما بين كُلفة فاتورة مرتبات 2014م، وما بين ما يتم تجميعُه في هذا الحساب.

قبل ذلك كان الكثير من الرفض، عند كل محطة من محطات البحث عن إحلال السلام، لكن صنعاء بقيت متمسكة بموقفها المبدئي الذي يؤكد ضرورة تبني الملف الاقتصادي، كأبرز الملفات والمحاور على طاولات التشاور أو التفاوض. ومن مشاورات جنيف في يونيو 2015، إلى مشاورات الكويت في أبريل 2016، وغيرها من اللقاءات البروتوكولية لاحقاً، واجهت صنعاء الكثير من أشكال الرفض للتعاطي مع الملف الاقتصادي ومعاناة الملايين من اليمنيين جراء استمرار العدوان والإغلاق والحصار ضد الإمدادات الغذائية والدوائية والوقود.

لكن مع إمكانية القول بنجاح صنعاء في فرض الملف الاقتصادي، ما يتضمنه من قضايا مهمة كقضية المرتبات المنقطعة عن 80 في المائة من موظفي الدولة في السلك المدني، واحتجاز وقرصنة الإمدادات، ومطار صنعاء.. وغيرها، إلا أنها لا تزال في قلب مواجهة عدم التزام الخصوم بالاتفاقات الموقع عليها، وتواطؤ الأمم المتحدة والمجتمع الدولي. “فالملف الاقتصادي لا زال يراوحُ مكانَه، ويوظَّفُ بما يخدُمُ الأجندة العسكرية للعدوان”، بحسب تعبير هاشم إسماعيل.

في اتفاق السويد قبل عامين، تكللت جهود صنعاء على طريق تبني الملف الاقتصادي على طاولة المشاورات برعاية الأمم المتحدة، باتفاق تنص مسودته على جملة من المهام كان ينبغي على حكومة المرتزقة مبادلتها الوفاء والالتزام.

إذ شددت المسودة على أهمية الحفاظ على الاقتصاد الوطني من الانهيار، واعتبار ذلك مهمة يجب على الجميع أن يعمل من أجلها لتخفيف معاناة المواطنين في كافة المحافظات بدون استثناء، ودفع رواتب موظفي الدولة، السلك المدني، ومعاشات المتقاعدين والسيطرة على معدلات التضخم وتحقيق استقرار الريال.

ظل وفد صنعاء متمسكاً بضرورة إنهاء حالة الانقسام المالي التي كرسها قرار نقل وظائف البنك المركزي إلى عدن، على أمل أن إعادة البنك المركزي إلى مقره الرئيس في صنعاء سيمكنه من أداء وظائفه بشفافية وكفاءة، كما كان عليه الوضع حتى شهر أغسطس من عام 2016م، لكن بنود الاتفاقية اقتصرت على “إيداع إيرادات موانئ الحديدة والصليف ورأس عيسى في فرع البنك المركزي اليمني في الحديدة، للمساهمة في صرف رواتب موظفي الدولة، بدون أن تشير إلى إشكالية نقل وظائف البنك وما تبعها من استحداث لعملة “غير قانونية” وطباعة كميات كبيرة منها بدون غطاء نقدي، كما لم تلزم حكومة هادي بتوريد ما تحت يدها من موارد عامة تكاد تشكل 90 بالمائة، من ضمنها عائدات النفط والغاز والموانئ والمنافذ والمساعدات الخارجية وغيرها، ليتسنى صرف الرواتب لجميع الموظفين وفقاً لكشوفات 2014م.

وفي حين قالت الأمم المتحدة إنها سترعى تشاورات منبثقة عن بنود السويد في الشق الاقتصادي، فقد فشلت سريعاً في عقد اجتماع كانت دعت إليه في يناير 2019، وأظهرت تواطؤها مع الموقف المتعنت والرافض الذي تبديه حكومة المرتزقة في مناقشة القضايا الاقتصادية العالقة، وأهمها قضية المرتبات المنقطعة عن الجزء الأكبر من موظفي الدولة والمتقاعدين المدنيين، منذ قرار نقل وظائف عمليات البنك المركزي من العاصمة صنعاء إلى فرع البنك في مدينة عدن.

مضت صنعاء في التزاماتها بتوريد عوائد ميناء الحديدة إلى حساب المرتبات في بنك الحديدة بإشراف الأمم المتحدة، فيما تنصلت حكومة المرتزقة عن التزاماتها، الأمر الذي أعاق التقدم في مسألة استئناف صرف المرتبات لكل موظفي الجمهورية وفق كشوفات 2014. ولا تزال الأمم المتحدة تمارس دوراً متواطئاً تجاه عدم الالتزام باتفاق تمّ بإشرافها.

وفي كل مرة تحرص صنعاء على التعاطي الإيجابي مع المبعوث الأممي؛ تفاجأ بموقفه شخصياً، فهو كما يقول هاشم اسماعيل “لا يهتم أصلاً بالمِـلَـفِّ الاقتصادي، وقد أعلنها صراحةً، في مواقفَ متعددةٍ أن المِـلَـفَّ الاقتصادي ليس من اختصاصه وأنه مبعوثٌ سياسيٌّ فقط”.

وفي المقابلة التي أجرتها صحيفة المسيرة مع القائم بأعمال رئيس اللجنة الاقتصادية العليا ومحافظ البنك المركزي اليمني، هاشم إسماعيل، في يوليو الماضي، أبدى الأخير استغرابه من حالة البرود والتقاعس التي تنتهجها الأمم المتحدة إزاء الملف الاقتصادي للشعب اليمني، وانخفاض صوتها الذي كان منادياً بضرورة وسرعة صرف رواتب موظفي الخدمة المدنية في عموم اليمن، باعتبار ذلك المدخل العملي والأكثر أهمية لوقف التداعيات الإنسانية.

وخلص القائم بأعمال رئيس الاقتصادية العليا إلى القول بأن “اتّفاقَ السويد كان صريحاً وواضحاً ويعلم به جميعُ أبناء الشعب اليمني، لأنه أتى بناءً على ضغط ومتابعة وإصرار من قبَل وفد صنعاء، والذي لم يكن جديداً في اتّفاق السويد وإنما سبقه إصرارٌ منذ أولى جولات المشاورات، لإدراج المِـلَـفِّ الاقتصادي ضمن المشاورات”.

وأكد أن وفد صنعاء تمكن من إحراز تقدم في هذا الموضوع خلال اتّفاق السويد، الذي نص صراحةً على إيداع إيرادات موانئ الحديدة في حسابٍ خاص بالبنك المركزي في محافظة الحديدة، لتقوم الأمم المتحدة بإلزام المجتمع الدولي والطرفِ الآخر بتغطية فجوة العجز ما بين كُلفة فاتورة مرتبات 2014م، وما بين ما يتم تجميعُه في هذا الحساب.

واعتبر محافظ البنك تجاهل المبعوث الأممي خلال حديثه لموقع الأمم المتحدة، التزامات الطرف الآخر فيما يتعلقُ بتغطية العجز في حساب المرتبات، دليلاً على عدم جديته في حسم موضوع المرتبات، وتأكيداً على أن هناك مؤامرة على أبناء شعبنا اليمني”.

وتساءل عن سبب عدم اهتمام المبعوث بالبحث عن بقية إيرادات الجمهورية اليمنية، وعدم حديثه عن النهب المستمر وبشكل يومي للنفط اليمني الخام وعائدات تصديره، رغم أن اللجنة الاقتصادية العليا في صنعاء سلمت لمكتب “غريفيث” مِـلَـفًّا خاصًّاً بنهب الثروات النفطية، ومِـلَـفًّاً خاصًّاً بجرائم غسل الأموال في المحافظات المحتلّة، ما يعني عدم وجود تحَرُّكٍ جديٍ من الأمم المتحدة لإنهاء معاناة اليمنيين، بقدر ما تقومُ بتوظيف الأحداث واستغلالها بما يخدُمُ توجُّـهَها السياسي والذي لم يعد خافياً على أبناء شعبنا اليمني.

كما اعتبر القائم بأعمال رئيس اللجنة حديث المبعوث الأممي لموقع الأمم المتحدة انقلاباً صريحاً على الاتّفاق الذي رعاه في السويد.. مطالباً أبناء شعبنا اليمني بالعودة إلى الاتفاق والنظر إلى ما نص عليه، بشأن ما يتعلق برفع القيود عن الحركة التجارية وحركة البضائع، بدون أي اشتراطات وخصوصاً لسفن المشتقات النفطية، والسفن التجارية”.. مؤكداً أن اتّفاقَ السويد كان صريحاً وواضحاً، وتضمن التزاماً مع كل الأطراف بتسهيل حرية وحركة البضائع مِن وإلى موانئ الحديدة والصليف ورأس عيسى.