المشهد اليمني الأول

المشهد اليمني الأول/

مثّلت تفاهمات السويد التي توصل إليها الفرقاء اليمنيون في الفترة 6-13 ديسمبر 2018، تحت رعاية الأمم المتحدة، بارقة أمل لإنهاء معاناة موظفي الدولة من خلال صرف رواتبهم المتوقفة منذ نهاية عام 2016م، خصوصاً أن الملف الاقتصادي ظل مغيباً في مفاوضات الكويت التي سبقتها بعامين ونصف في يوليو 2016م، وغيرها من المحطات الحوارية التي انتهى بها المطاف إلى الفشل.

توصل الطرفان في نهاية أسبوع من مفاوضات السويد، إلى توافقات مهمة، في الشأن الاقتصادي كادت تفضي لحلحلة أبرز الملفات الاقتصادية الشائكة وفي مُقدَّمِها ملف رواتب موظفي الدولة المتوقفة منذ شهر سبتمبر 2016م، على إثر نقل وظائف البنك المركزي من مركزه الرئيس في صنعاء إلى فرعه في عدن، بناء على قرار غير دستوري أصدره الفار هادي، وارتبطت به كل أسباب الانهيار الاقتصادي التي شهدها اليمن في السنوات الأخيرة وحتى الآن.

نقل البنك المركزي اليمني من صنعاء إلى عدن بإيعاز سعودي أمريكي وبرعاية أممية وبناء على التزامات أخلاقية قطعتها حكومة المرتزقة باستمرار حيادية البنك وصرف الرواتب لجميع الموظفين، طبقاً لكشوفات ديسمبر 2014، لكنها تنصلت عن الوفاء بتعهداتها، مما أحدث شرخاً اجتماعياً بين موظفي الدولة، من خلال صرفها مرتبات فئة صغيرة من الموظفين تحت مسمى نازحين دون غيرهم.

أرادت حكومة المرتزقة من خلال الصرف لفئة صغيرة من الموظفين الظهور أمام المجتمع المحلي والدولي بأنها التزمت بصرف المرتبات للجميع، متجاهلة كافة النداءات المطالبة بصرف مرتبات الموظفين كاملة، غير مكترثة للأوضاع الاقتصادية الصعبة للموظفين، ومعاناتهم جراء تفشي الأمراض والأوبئة وغلاء المعيشة.

نصت توافقات السويد الاقتصادية على إيداع إيرادات موانئ الحديدة في البنك المركزي اليمني، من خلال فرعه الموجود في المحافظة، للمساهمة في دفع رواتب موظفي الخدمة المدنية في جميع أنحاء اليمن، على أن تتولى حكومة المرتزقة تغطية العجز في مبلغ الرواتب، خصوصاً أن عائدات الموانئ الشهرية لا تشكل سوى 10 إلى 15 بالمائة من مبلغ الرواتب البالغ 75 مليار ريال يمني، وفقاً لكشوفات 2014، بينما يتركز الجزء الأكبر من إيرادات البلد النفطية والغازية وغيرها في المحافظات الجنوبية والشرقية الخاضعة للتحالف وحكومة المرتزقة.

ومنذ البداية، لم تظهر حكومة المرتزقة جدية في الالتزام ببنود الاتفاق، إذ لم تقم بتحويل أي مبلغ إلى حساب مبادرة المرتبات في بنك الحديدة، على الرغم من التزام صنعاء بتوريد عائدات موانئ الحديدة الضريبية والجمركية إلى ذلك الحساب، وإطلاع الأمم المتحدة على ذلك أولاً بأول.

لجأت حكومة المرتزقة للمماطلة وفرض اشتراطات جديدة لا علاقة لها بما تم التوافق عليه، منها صرف المبالغ المجمّعة من إيرادات الموانئ لموظفي الدولة في محافظة الحديدة فقط، وحرمان موظفي المحافظات الأخرى منها.

وخلافاً لتهرب وفد حكومة المرتزقة الدائم من الحديث عن الشق الاقتصادي في مختلف الجولات الحوارية، ظل الوفد الوطني المفاوض متمسكاً بضرورة البدء بحلحلة القضايا والملفات الاقتصادية والمعيشية الضاغطة على السكان، وعلى رأسها التوصل إلى اتفاق حول صرف رواتب الموظفين كأولوية قصوى تفرضها ظروف البلد الصعبة والمتدهورة جراء العدوان والحصار وانقطاع الرواتب.

إدراكاً منه أن الرواتب لها صلة كبيرة بعموم الملف الاقتصادي ومسائل أخرى ينبغي حلها، مثل تصدير النفط والغاز وتوريد عائدات موانئ البلد والإيرادات الأخرى في المناطق الواقعة تحت سيطرة تحالف العدوان إلى البنك المركزي، إلا أن الطرف الآخر ظل يتهرب ويصر على البدء بالشق العسكري والسياسي بدون إدراك لتدهور الوضع المعيشي والإنساني الناتج عن انقطاع الرواتب.

وبينما عدّت صنعاء نتائج مشاورات ستوكهولم إنجازاً كبيراً على طريق إنهاء معاناة الشعب اليمني، وصف رئيس وفد حكومة المرتزقة، خلال مؤتمر صحافي عقده في ختام المشاورات، ما توصلت إليه المشاورات في الشق الاقتصادي بـ«الاتفاقات الافتراضية»، ليؤكد بذلك عدم جدية الطرف الآخر في إنهاء معاناة الموظفين وحلحلة الملفات الاقتصادية المتصلة باقتصاد ومعيشة الشعب اليمني.

وخلافاً للتوقعات برز الموقف الأممي كشريك فاعل في استمرار معاناة نحو 75 في المائة من موظفي الدولة، نتيجة توقف رواتبهم الشهرية، إذ تحول الدور الأممي إلى سلاح بيد تحالف العدوان لخنق الشعب اليمني ومن ضمنهم الموظفون من خلال احتجاز سفن المشتقات النفطية واستخدامها كوسيلة للضغط على حكومة الإنقاذ الوطني وثنيها عن صرف نصف الراتب لموظفي الدولة، الذي باشرت صنعاء بصرفه مستعينة بالرصيد المجمع في حساب مبادرة المرتبات في فرع البنك بالحديدة، بعد أشهر من فشل تنفيذ بنود اتفاق السويد المتعلقة بالرواتب، من أجل تخفيف معاناة الموظفين، جراء عدم التزام الطرف الآخر بالتزاماته.

صُدم موظفو الدولة بالموقف الأممي بعد أن راهنوا عليه في التوصل إلى حل بخصوص مرتباتهم المنقطعة، وزاد من انزعاجهم الرفض الأممي لما يحصلون عليه من حكومة صنعاء نهاية كل شهرين على شكل (نصف راتب)، وتلويحها بمعاقبة صنعاء إن استمرت في الصرف بالآلية نفسها، بينما تتجاهل المنظمة ما يجري من فظائع بحق أموال اليمنيين وثرواتهم النفطية في مناطق سيطرة العدوان ومرتزقته.

أما حكومة الإنقاذ فاعتبرت الموقف الأممي انقلاباً واضحاً على اتفاق السويد، الذي رعته المنظمة في ديسمبر 2018، بما تضمنه من بنود وتفاهمات لاحقة بشأن استئناف صرف المرتبات، بينما يدعي مبعوثها إلى اليمن «مارتن غريفيث» الحرص على تنفيذ الاتفاق ومراعاة مصالح الشعب اليمني.

وتأكد الموقف الأممي المنحاز والمتناغم مع تحالف العدوان من خلال الإحاطات الأخيرة للمبعوث الأممي، وتركيزه بشكل ملفت على إيرادات ميناء الحديدة لسداد رواتب موظفي القطاع العام للدولة، وإنهاء مشكلة انقطاعها، بدون الحديث عما بحوزة الطرف الآخر من موارد عامة تفوق عائدات موانئ الحديدة بعشرات الأضعاف، إلى جانب عدم الوفاء بكل الالتزامات التي قطعتها حينذاك حكومة المرتزقة بشأن استمرار حيادية البنك.

ورغم مماطلة الطرف الآخر وإصراره على إفشال الاتفاق بمباركة أممية، لم تتوقف محاولات صنعاء، في الأشهر التي تلت اتفاق السويد وحتى الآن للدفع قُدماً بإجراءات صرف الرواتب لعموم الموظفين على امتداد الجغرافيا الوطنية، كان من ضمنها الاستعداد لتفويض أحد مكونات المجتمع المدني لإدارة والإشراف على حساب المرتبات في البنك المركزي بالحديدة، في حال قيام الطرف الآخر بتغطية العجز لصرف المرتبات لموظفي الخدمة المدنية وفق كشوفات ٢٠١٤م، كتعبير حقيقي عن مدى جديتها وحرصها على تنفيذ الاتفاق.

إذ أكدت حكومة الإنقاذ أكثر من مرة استعدادها لصرف الرواتب كاملة لجميع الموظفين في الجمهورية اليمنية، كما كان يحدث قبل نقل وظائف البنك المركزي إلى عدن، وفقاً لكشوفات 2014م، إذا توفرت الجدية لدى الأمم المتحدة والطرف الآخر في تنفيذ التزاماتهم بموجب اتفاق السويد، على أن يرفع الطرف الآخر يده عن إيرادات النفط والغاز والموانئ والمنافذ المحتلة والتي تشكل أكثر من 75 بالمائة من إيرادات الدولة.