المشهد اليمني الأول

المشهد اليمني الأول/

لا نُبالغ إذا قُلنا أنّ ملف المحروقات والفيول من الملفّات التي “قصَمت” ظهر الخزينة اللّبنانية، وساهمت بحصّة كبيرة في وصولنا إلى ما نحنُ عليه اليوم. منذُ التّسعينيات حتّى اليوم، لا يزال الهَدر جار في هذا الملف جرّاء سياسة تقسيم الكعكة. بكل بساطة، لم تُحسّن الطّبقة السياسيّة إدارة هذا الملف كما تقتضيه المصلحة الوطنية، أو بالأحرى عملت على “خصخصته” ورمت به في عُهدة “الكارتيلات” على قاعدة تقاسُم الغنائم، فمنعت أي قرار مُفيد لصالح الاقتصاد اللّبناني.

الهَدر في هذا الملف منذ التّسعينيات بعشرات مليارات الدولارات وفق ما يقول أصحاب الإختصاص. وكل تلك المليارات ذهبت لجيوب “الكارتيلات” وشُركائها السّياسيين. وعلى هذه القاعدة، جرى عرقلة كافّة المشاريع المفيدة للحدّ من الفاتورة النفطيّة السنوية. تلقّى لبنان في هذا الصّدد عروضاً مغرية جداً جوبهَت جميعها بالعرقلة والرّفض لأسباب ظاهرها سياسي وتقني وغيرها من الحجج الواهية، إلّا أنّ الحقيقة تكمُن في “حنفية” الدولار التي لا يريد البعض إقفالها حتّى ولو كانت النّتيجة إفقار الشّعب وعجز الخَزينة.

اليوم، وفيما تَعمل الحكومة على تطبيق سياسة “ترشيد الدّعم”، تبحث عن حلّ لفاتورة المحروقات والفيول. وبالموازاة، ثمّة أسئلة كثيرة تُطرح حول الأسباب التي تَمنع العبور بهذا الملف لما فيه مصلحة البلد. ثمّة عروض مُغرية جدّاً لا تزال قائمة سواء من العراق أو إيران. عروض تتطلّب عدم إيلاء أي اعتبار لكارتيلات النّفط التي جنَت الكثير على حساب الشّعب اللّبناني، والنّظر فقط وفقط بعين المصلحة الوطنية.

ناصر الدين: الكارتيلات السياسيّة والنفطيّة استفادت من ملف المحروقات والفيول بشكلٍ كبيرٍ جداً

الكاتب والباحث الاقتصادي زياد ناصر الدين يُقدّم قراءة لملف المحروقات والفيول منذ التّسعينيات حتّى اليوم. برأيه، فإنّ هذا الملف من الملفات السّاخنة والتي تمّ استغلالها بشكلٍ كبيرٍ وصرف عليه الكثير من المليارات، لا بل هو أفسد ملف بالدولة اللّبنانية. يؤكّد المتحدّث على حقيقة ثابتة وواضحة للجميع تتمثّل في استفادة الكارتيلات السياسيّة والنفطيّة من هذا الملف بشكلٍ كبيرٍ جداً.

وِفق حساباته، دفعت الدّولة ما بين المليار ونصف إلى الملياري دولار سنوياً على مدى 20 عاماً، وهذا الرّقم مُخيف. وقد ارتفعت فاتورة الدّفع في السّنوات الخمس الأخيرة حيث كانت  فاتورة الكلفة النفطيّة ضخمة جداً ولا تقلّ عن 4.5 إلى 5 مليار دولار سنوياً. والمُفارقة، أنّ في مُقابل هذه الخسائر، هناك الكثير من القرارات المُفيدة في هذا المجال لم يتمّ العمل عليها.

على سبيل المثال، الغاز الذي يقدّم وفراً كبيراً على الفاتورة. تماماً كما أنّ هناك عروضات كثيرة لا تزال ممكِنة ولكنّها تدخل في سياق الإصلاحات التي ترفضها الطّبقة السياسيّة للإستفادة من هذه الأموال المخصّصة للفيول والمَحروقات على حساب النّاس.

غياب خطّة النّقل فاقم الأزمة

يذهب ناصرالدين أبعد من ظاهر القضية إلى ما هو أعمق. يعتبر أنّ أحد أسباب الهدر في الفاتورة النفطية يكمُن في غياب خطّة للنقل في لبنان ما ساهم في أن تأخذ الكارتيلات مجدها. عندما يكون لدينا خطّة نقل سيخفّ استهلاك البنزين والمازوت إلى النّصف، ما يوفّر نصف الفاتورة تلقائياً على الدّولة والمواطن.

لكن للأسف، يقول ناصرالدين، هناك كارتيلات لا يحلو لها تغيير الواقع القائم وهي تَجني عشرات ملايين الدولارات سنوياً بدون أي تَعب وأي مجهود، فقط عبر توقيع العقود وعلى حساب الشّعب اللّبناني. برأي ناصرالدين، فإنّ الدّعم السنوي الذي كانت تتكبّده الخزينة على ملف المحروقات والفيول كان لمصلحة كارتيلات النّفط التي أخذت هذا الدّعم من الخزينة مباشرة إلى جيوبها.

ويأخذ ناصرالدين على نظام عام 1992 الذي لم يقر خطّة نقل واتّخذ قراراً بخصخصة القطاعات واستيراد الفيول والمحروقات عبر الشّركات وليس عبر الدولة لتستفيد كارتيلات النفط، وتكون النتيجة دفع فاتورة كهرباء، غياب خطّة نقل لصالح كارتيلات النّفط وموزعي البنزين والمازوت والكارتيلات التي تستورد السيارات من الخارج إلى الدّاخل، وكل ذلك على حساب المواطن.

خسائر نقل تُقارب المليون دولار يومياً

يتوسّع ناصرالدين في الحديث عن خطّة النقل. برأيه، أي خطّة نقل في لبنان سواء سكّة حديد أو باصات متطوّرة لا تشكّل تكلفتها 5 بالمئة من كمية الأموال التي دفعت على دعم المحروقات والمازوت والبُنى التّحتية للطّرقات التي استُهلكت، فالضّغط الذي شهِدته الطّرقات جرّاء زحمة السّير دفع بالدولة اللّبنانية إلى تلزيمات لإصلاح الطّرقات.

وهنا يلفت ناصرالدين إلى أنّ لبنان أوّل بلد في الدّول العربية والشّرق الأوسط كان لديه سكّة حديد، ومن غير المعقول أن يفقد هذه الميزة. وفق ناصرالدين، لدينا خسائر نقل يومياً تُقارب المليون دولار بسبب سوء التّخطيط والإدارة. وفق قناعاته، فإنّ خطّة النّقل تشكّل قلب وأساس الاقتصاد، وإذا كان لدينا خطّة نقل فإنّنا بطبيعة الحال نسير نحو حلّ قضية الفاتورة الضّخمة.

إقامة سكّة حديد تربط المناطق ببعضها البعض فاتورة تكلّف بحدود المليار ونصف المليار دولار

ويوضح الكاتب والباحث الاقتصادي أنّ كافة الدّراسات أجمعت على أنّ إقامة سكّة حديد تربط المناطق ببعضها البعض تكلّف بحدود المليار ونصف المليار دولار.

والمُفارقة تكمُن -وفق ناصرالدين- في أنّنا ندعم الفاتورة النّفطية في لبنان بأرقام مُتفاوتة سنوياً تسجّل حوالى 2.5 مليار دولار للمازوت، ومليار و300 مليون دولار للبنزين والفيول، وهذه كلفة عالية جداً إذ نضطّر سنوياً إلى دعم هذا الملف بالعملة الأجنبية، في الوقت الذي كان من المُمكن أن نستفيد فيه من خطّة النّقل لإدخال عملة أجنبية إلى البلد لتغطية حاجتنا من الفيول والمحروقات، لأنّنا دولة لم نكن نمتلك مصادر نفط سابقاً،

والآن بعد أن اكتشفنا النّفط لن تُفرج عنه الدّولة العميقة إلّا بعد الإتّفاق على كيفية “سرقته” على حد تعبير ناصرالدين الذي يشير إلى أنّه لو كانت لدينا خطّة نقل مُفيدة وخطّة كهرباء مُفيدة لكنّا وفّرنا على الخزينة ما بين الـ40 الى 60 مليار دولار، وهذه واحدة من الأمور التي لو عالجناها لما كنّا وصلنا إلى ما وصلنا إليه اليوم.

لبنان تلقّى عروضات مهمّة جداً

وفي سياقٍ متّصل، يوضح ناصرالدين أنّ لبنان تلقّى عروضات جديّة في ملف النّفط لكنّه رفضها. عروضات مهمّة جداً تُمكّن لبنان من ضبط سعر صرف الدولار في هذه الأزمة وتخفيضه ليستفيد منه المواطن. ويشير ناصرالدين إلى أنّ العروضات التي تلقّاها لبنان من العراق وإيران لا تصبّ في صالح كارتيلات النّفط في لبنان والتي هي جزء أساسي من تمويل الدّولة العميقة في الداخل اللّبناني ما يخسرها مبالغ ضخمة بعشرات ملايين الدولارات، وهنا تكمُن الحكاية.

وفق ناصرالدين، فإنّ من يعرقل مسار العرض العراقي لتزويد لبنان بالنّفط الخام بشكل أساسي هو عدم وجود حصة لكارتيلات النّفط في هذا العرض الجدي جداً. الأخير يحتاج إلى قرار جريء ومُفيد على حساب كارتيلات النّفط والدّولة العميقة لمصلحة النّاس.

ووفق ناصرالدين، فالعراق تعرض على لبنان أن يأخذ احتياجاته من النّفط الخام إلى شركة للتّكرير على أن يكون الدّفع مؤجّلاً ما بين 12 إلى 16 شهراً. بالنّسبة لناصرالدين، هناك إمكانيّة لتخفيض فاتورة الدّعم السنوية ًللمحروقات والفيول للنصف.

الحل يجب أن يكون على حساب الكارتيلات

وفي الخِتام، يشدّد ناصرالدين على أنّ أي حل يجب أن يكون على حساب الكارتيلات التي تتحكّم بالقطاعات في لبنان، فنظام عام 1992 شكّل هذه الكارتيلات التي باتت على علاقة وثيقة بالطّبقة السياسيّة التي تحميها، ومن يدفع الثّمن هو المواطن بشكلٍ أساسي.