المشهد اليمني الأول

أعدت قناة “بي بي سي” وثائقياً عن كورونا في البلد الذي مزقته الحرب: اليمن.

أبدت المذيعة ضيقها من “الغموض” الذي يكتنف عدد الوفيات جراء الإصابة بالفايروس، وعدم تقديم وزير الصحة اليمني لإحصائيات دقيقة حول عدد الإصابات والوفيات.

راحت معدة الوثائقي تطرح السؤال مراراً وتكراراً: “لماذا لا تعترف حكومة الحوثي بعدد الوفيات؟” بينما تحدث وزير الصحة من قلب مستشفى الكويت في صنعاء عن الكارثة الإنسانية التي يسببها الحصار ومنع دخول الأغذية والأدوية اللازمة، موجهاً سؤالاً وهو يحمل رضيعاً وزنه بضع غرامات: “سوء التغذية يفتك بنا أكثر من كورونا.. لماذا تركزين فقط على كورونا؟”.

هل يرقى فايروس “كورونا” لأن يُذكر في بلد يعاني الأمرّين من الأخوة الأعداء؟ لا يمكننا إلا التساؤل: ترى هل سمعت المذيعة مثلاً عن الهجوم على ميناء الحديدة والذي يمثل نقطة الدخول الرئيسية لمعظم المساعدات الإنسانية إلى اليمن وشريان الحياة الذي حذرت وكالات الإغاثة من ضربه لتجنب المجاعة الأكبر؟ أيحتاج الدم اليمني لمعجم فلكي لكي يُفهم مثلاً؟

يرزح اليمن الذي يبلغ عدد سكانه نحو 30 مليون نسمة تحت وطأة الحرب منذ ما يقارب الست سنوات عايش فيها: المجاعات، الكوليرا التي أيقظتها الحرب، سوء التغذية، الصواريخ التي تستهدف المدنيين وتحيل بيوت الأفراح بيوت عزاء، حمى الضنك، والكثير من المآسي التي نعجز عن تخيلها.

بينما تحذر اليوم الأمم المتحدة من أن ملايين الأشخاص في اليمن على شفير مجاعة جديدة، وبأن عدد اليمنيين الذين يواجهون هذه الدرجة من انعدام الأمن الغذائي الكارثي قد يتضاعف ثلاث مرات تقريباً مع بدء السنة الجديدة.

يلعب اليمن منذ أعوام ودون إرادته دور ساحة للصراع الدولي.. الأطماع كثيرة، والأطراف المشتركة أكثر ممن يتصدر تلك “العاصفة” التي عصفت بأطفال اليمن.

إسرائيل” هي اللاعب النشط من خلال وكلائها، والمستفيد الأكبر من تطويع القرار السياسي اليمني بعد إضعافه وإنهاكه، لسلب موارده الطبيعية وتحقيق مطمع الإحتلال بالسيطرة على البحر الأحمر.

فهذا الموقع الحساس الذي يتمتع به اليمن كان نقمة على أهله بدلاً من أن يكون نعمة كونه يطل على مضيق أحد أهم المعابر المائية في العالم: باب المندب.

تخشى “اسرائيل” اليمن وتعمل منذ عشرات السنين على أن يبقى ضعيفاً وذو قرار سياسي مسلوب.

تدخّل الكيان الصهيوني في حرب اليمن في الستينيات ضد قوات الثورة المدعومة من جمال عبد الناصر لمواجهة المشروع الناصري بإعتراف من صحيفة “هآرتس” بتقديم الإحتلال لمساعدات وجسر جوي لقوات الإمام الزيدي لصد الثورة اليمنية وكبح جماح نفوذ جمال عبد الناصر ومشروعه العروبي.

أما اليوم فالحجة هي “المشروع الإيراني التوسعي” ومن يدري غداً ما الحجة؟

لم تتوقف “اسرائيل” يوماً عن العمل على بسط نفوذها على البحر الأحمر، فكما أعلن مركز الدراسات الإستراتيجي والأمني الإستخباراتي الأمريكي “ستراتفور” بإن ل”إسرائيل” موقع تنصت داخل دولة إريتريا عدا عن الوحدات البحرية قرب أرخبيل سقطرى، واستئجاره من ارتيريا ثلاث جزر تُستخدم كقواعد عسكرية في البحر الأحمر.

أما سقطرى المصنفة من قبل اليونسكو كأحد مواقع التراث العالمي تواجه اليوم تهديداً حقيقياً يتمثل بفصلها وعزلها عن اليمن تمهيداً لنهب ثرواتها، وإنشاء مرافق عسكرية واستخباراتية.

بالحديث عن جمال عبد الناصر والحلم “الإسرائيلي” بالسيطرة على البحر الأحمر، لا بد من ذكر إغلاق الناصر لمضيق تيران أمام الملاحة “الإسرائيلية” القرار الذي اعتبره الإحتلال تهديداً وجودياً.

لكن مضيق تيران الذي كان إغلاقه بمثابة إعلان حرب، بات اليوم جسر عبور مستقبلي لعلاقات مُطبعة، شتان بين تيران المصرية وتيران “نيوم” المدخل الرئيسي للإحتلال على البحر الأحمر.

لا شك لدينا بأن اليمن أصل العرب الطيب سيصمد وسيصل عاجلاً أم آجلاً لشط الأمان وبأن “إسرائيل” لن تتغلغل في أوساطه ولن تتمكن من شعبه الحر، فاليمني كما نعرفه لا يمكن أن يغني الشيلات لتل أبيب، ولا أن يكتب القصائد تغزلاً بنتنياهو، أو أن يستضيف الصهيوني في عقر داره، ويرفع علمه قرب نجمة داوود..اليمني الحر سيبقى يردد: “الموت لإسرائيل”.

أخيراً أقول: يشرفني كعربية بأن أصلي من اليمن بلد الحضارة والعمق التاريخي، لا كما يقول أحد الضباط السابقين كثيري الجعجعة والتفذلك في غير محله.

______
دانة زيدان
كاتبة أردنية