المشهد اليمني الأول

خاص

إنها لعبة شائعة في تاريخ الإمبرياليات واكثر شيوعاً في بناء الامبراطوريات والكيانات، وكما هو الحال دائمًا، لا يمكن لأي كيان او إمبراطورية أن تنجح في سياستها وخيانتها بدون جماعات محلية متواطئة وخائنة من بين الضحايا، والمثل البارز على ذلك عبد العزيز بن سعود.. فكان بني سعود ولايزالون حتى اللحظة كباش ضاربة للإمبراطورية البريطانية سابقاً، والإدارات الأمريكية حاظراً، لتحقيق اهدافهم الإمبريالية والصهيونية.

ومايلفت النظر ويعزز الوعي، بينما ينتقد المسلمون إسرائيل بحماسة لفظائعها، يسارع البعض بالتطبيع الكامل الشامل مع الصهاينة، وغالباً ما يقدسون السعودية الونيس الأول لإسرائيل والساعد الأيمن للصهونية، باعتبارها الوصية على أقدس الأماكن الإسلامية في تجاهل تام لدور المملكة وملكها المؤسس في تأسيس هذا الكيان.

فهذا التجاهل يجد جذوره في الافتقار الكامل للمعرفة، المعرفة الحقيقية لتأسيس المملكة العربية السعودية وعائلة آل سعود “العائلة المالكة”، وكيف لعبت السعودية وملكها المؤسس دوراً حاسما مع الامبراطورية البريطانية في اقامة إسرائيل واحتلال معظم البلدان العربية من بعد التقسيم والتمزيق.

نكتفي بالقول إن هذا الجهل أكثر خطورة في تاريخ العالم، فالاكثرية منا غالباً ما يصورون روتينيا من أبن سعود والمملكة سابقاً دولة مستقلة ذات حرية وكأنها ليست أداة للإمبراطورية البريطانية بل ويجردونها عن حقيقتها كونها السبب الاول في إقامة إسرائيل وشرعنة الاحتلال في البلاد العربية، فلو تصفحنا علاقة آل سعود مع الإدارات الغربية نلاحظ بجلاء أنها مرسومة لتنفيذ السياسة الغربية وخلط الأوراق على العرب والمسلمين لترسيخ الكيان الصهيوني في المنطقة.

ففي الحرب العالمية الاولى هُزمت الإمبراطورية العثمانية على يد البريطانيين، وخلفت هذه الهزيمة ثلاث سلطات في شبه الجزيرة العربية، الأولى سلطة شريف الحجاز حسين بن علي (في الغرب)، والثانية سلطة ابن رشيد من حائل (في الشمال)، والثالثة سلطة عبد العزيز بن سعود وأتباعه المتعصبين الوهابيين (في الشرق).

ولكي لاتصبح المسألة “وجهة نظر” ولفهم الأحداث التي أدت إلى إنشاء كلٌ من إسرائيل والمملكة العربية السعودية بشكل صحيح، يجب علينا العودة لمايلي: 1- مراسلات مكماهون – والشريف حسين، 2- معاهدة دارين، 3- وعد بلفور.

1. مراسلات مكماهون – الشريف حسين

عند اندلاع الحرب العالمية الأولى في المنطقة، عرض هنري مكماهون، المفوض السامي البريطاني على الشريف “حسين” حاكم الحجاز، مساعدة البريطانيين في محاربة العثمانية، مقابل تحديد منطقة الاستقلال العربي، واعتراف بريطانيا باستقلال البلاد العربية المشتملة على سوريا وفلسطين ولبنان، والعراق جنوبه وشماله، وجميع الجزيرة العربية ما عدا عدن اليمنية التي كانت آنذاك مستعمرة بريطانية)، وتعهد مكماهون للشريف على ذلك، فتقارب الاهتمام فيما بينهم، وتم تقديم هذا العرض عبر سلسلة من الرسائل المتبادلة، والمعروفة بمراسلات مكماهون حسين.

قام العرب بالثورة على الأتراك وطلبوا أن تفي بريطانيا بوعدها وتعترف باستقلالهم، فذهبت بريطانيا تفسر الاتفاق بأنه يستثني فلسطين بحدودها الدولية، فمهما يكن من أمر هذه المراسلات فإن تصرفات بريطانيا، أظهرت نياتها الاستعمارية في سلخ فلسطين عن جسد الأمة العربية والتمهيد لمنحها للصهيونية لتقيم عليها دولتها إسرائيل.

2- اتفاقية دارين

في 26ديسمبر 1915م، تم توقيع معاهدة دارين المعروفة باسم “حلف دارن”، بين عبد العزيز بن سعود والحكومة البريطانية، بعد أن كان كلا الطرفين راغبين بتوطيد العلاقات وتعزيزها، ومن أهم ماجاء فيها:

1- تعترف بريطانيا وتقر أن نجدا والإحساء والقطيف والجبيل وتوابعها وتعين اقطارها فيما بعد، بأنها بلاد ابن سعود وآبائه من قبل، مقابل أن يعترف الجميع بابن سعود حاكماً عليها مستقلاً ورئيساً مطلقا على قبائلها وبأبنائه وخلفائه بالارث من بعده على أن يكون ترشيح خلفه من قبله وان لايكون الحاكم المرشح مناوئاً للحكومة البريطانية.

2- يتعهد ابن سعود كما تعهد اباؤه من قبل بان يتحاشى الدخول في اي وفاق او سلم مع أية دولة أجنبية، الا بعد ابلاغ الحكومة البريطانية، وكذلك يتعهد بان لايسلم ولايبيع الأقطار والمناطق المذكورة لاي دولة أجنبية بدون رضى الحكومة البريطانية وبان يتبع مشورتها دائماً وبدون استثناء، وأيضاً يتعهد بحرية المرور في أقطاره.

لمحة تحليلية لبنود الاتفاقية “دارين”

أقرت بريطانيا سيطرة ابن سعود على هذه الاقطار، وفي حقيقة الأمر إن هذه البلاد لم تكن في يوم من الأيام تابعة لبني سعود أو تحت سيطرتهم.

اما عبارة (وتعين أقطارها فيما بعد)، فهي تعني أن هذه المناطق ليست نهائية وإنما ستضاف إليها مناطق أخرى حسب تغير الظروف السياسية والاستعمارية في المنطقة، فأثناء توقيع الاتفاقية بعد تقليد عبد العزيز لقب سلطان فال كوكس، يقول فيلبي: “وفي المستقبل القريب سنقلدك وسام سلطنة نجد والحجاز ثم نجعل منك ملكاً بعد تسليمك عسير وبعض الإمارات الأخرى لنطلق عليها اسمكم فتصبح المملكة السعودية)

فلا نريد هنا أن نبحث بصورة تفصيلية عن هذه العائلة فقد كتبنا سابقا عن اصلها، وكما ذكرنا سابقا أن جدهم “مردخاي” اليهودي الذي جاء إلى الدرعية واستطاع بعملية غدر السيطرة عليها، لذلك فالتعبير البريطاني (بلاد ابن سعود وآبائه من قبل) يكشف لنا أمرين: الأول، إن هذه العائلة في أصل وجودها في المنطقة هي من صنع بريطاني، والثاني، إن هذا التعبير يراد منه شرعنة بن سعود على هذه المناطق المذكورة.

وجاء في البند الأول (اعتراف بريطانيا بابن سعود حاكما مستقلاً ورئيسا مطلقاً وابنائه وخلفائة بالإرث من بعدة)، أن تعبير (مستقلاً) جاء مخالفاً للواقع الذي يعيشه عبد العزيز بن سعود فهو لم يكن مستقلاً هو أو أبناؤه، فكيف يكون مستقلاً وقبل اكتشاف النفط كان موظف يتقاضى راتبا من بريطانيا، وكيف يكون مستقلاً وهو يدار بأوامر البريطانية، ولايمتلك حرية القرار والتعبير وإن اصدر قراراً ما، كان من بعد الاستشارة.

إما عبارة (لا يكون الحاكم المرشح مناوئاً للحكومة البريطانية)، فهي تظهر للجميع خساسة وذلة وانحطاط هؤلاء الحكام، وعلى هذا علق كاتب فرنسي قائلاً: (الذي يجهله العموم أو يغفل عن ذكره المؤرخين أنه ليس مشرِّفا).

فالبند الثاني من الاتفاقية يبرز لنا أمرين، الأول هو أن المناطق التي يسيطر عليها ابن سعود هي محمية بريطانية وتعتبر ضمن النفوذ البريطاني، أما الثاني: هو إفهام ابن سعود إن أي خلل أو تمرد على الأوامر البريطانية فانها ستسمح لطرف خارجي بالتعرض لابن سعود، وهنا برزت لنا صورة جلية إن بني سعود ماهم إلاّ عملاء موظفون لدى الإدارة البريطانية فلا يجوز لهم التصرف باستقلالية إلاّ عن طريق المعتمد البريطاني في المنطقة.

أسباب توقيع اتفاقية دارين 1915م:

فكان من اهم اسباب توقيع اتفاقية دارين هو بعد نشوب الحرب العالمية الأولى ودخول الدولة العثمانية إلى جانب ألمانيا ضد بريطانيا، عملت بريطانيا على تقوية نفوذها في المنطقة، والتي كان لها موطئ قدم يمثلها بنو سعود في الرياض، وارادت أن تربط ابن سعود الذي اختارته لتنفيذ سياستها في الجزيرة باتفاقية رسمية خوفاً من تغيير الظروف، كما أنها أرادت أن تعلن للجميع إن ابن سعود هو موظفها الذي لا يجوز لأحد التعرض له، وأن تقدم نموذجاً لمواصفات العملاء في المنطقة والذين يرغبون في طرح أنفسهم كموظفين لبريطانيا.

ومن نتائج هذن الاتفاقية، تبلور دور عبد العزيز بن سعود للقضاء على نفوذ العثمانية في المنطقة تحت توجيهات الإدارة البريطانية، وبموجب هذه الاتفاقية تحركت بريطانيا في المنطقة والإدارة الأمريكية من بعدها في استغلال ثرواتها والاستهانة بطموحات أبنائها، وأصبحت منطقة الجزيرة ساحة لصراع بريطانيا وتركيا، وساحة للمغامرين الإنجليز في البحث والتنقيب عن النفط.

هل انتهت اتفاقية دارين؟

وتأتي من بعدها اتفاقية جدة الموقعة في 1927/05/20م، التي من شأنها رفعت بريطانيا نظام بني سعود من التبعية بصيغة موظفين وعملاء خونة إلى حكام وملوك بالمعنى الظاهر، فالأصل في الموضوع أن لا يخالف بنو سعود بريطانيا ولا تهم صيغة العبارات واماكن اعتمادها.

فبعد إن أظهر ابن سعود قدراً كبيراً من التبعية والانبطاح والارتهان المنقطع النظير، حينها اقترحت بريطانيا قيام مملكة باسم المملكة العربية السعودية.

وبعد الحرب العالمية الثانية خرجت بريطانيا منها متضررة اقتصادياً، وتنازلت تدريجياً للإدارة الأمريكية عن نفوذها في المنطقة، وأصبحت أمريكا وريثة بريطانيا في المنطقة وصاحبة النفوذ الفعلي فيها.

وبالفعل، فإن خيانة بريطانيا لوعودها دفعتهم في النهاية إلى إطلاق كلبهم المهاجم ابن سعود، وسمح هذا للبريطانيين بتفعيل اتفاقية سايكس بيكو الموقعة عام 1916م بين فرنسا وبريطانيا لتقسيم الاراضي العربية، وبالتالي إقامة دولة إسرائيل الصهيونية بعد التمزيق والشرذمة.

3- وعد بلفور

في واقع الأمر لم يكن “وعد بلفور” سوى خطاب قصير غامض ليس له وضع قانوني، فقد كان أحد أهم الأحداث التي أدت في النهاية إلى إنشاء دولة إسرائيل، ناهيك عن الصراع بين اليهود والعرب منذ ذلك الحين.

ولاحقًا أدرجت بريطانيا هذه الرسالة ضمن شروط انتدابها على فلسطين، وهكذا أصبح مطلب قانوني على بريطانيا، ومن خلال الإشارات الشاملة إلى عشرات الكتب والتقارير، تُرتسم لنا صورة حية للتلاعب البارز وراء صياغة هذا الاعلان ومداولاته واعتماده في نهاية المطاف، والجدير بالذكر أن النقاشات والمداولات التي سبقت اعتماد هذا الوعد الكاذب”وعد بلفور” لم تشمل أي تمثيل عربي، مما يعني عدم وجود مكان او اهمية للغالبية العربية.

كما يوثق الدكتور العنزي في دراسته لعام 2010م، بعد ان اعلن الشريف حسين بعدم قبول رؤية تقسم العالم العربي وعدم تنفذ وعد بلفور، وعدم قبول اي حدود عشوائية جديدة للجزيرة، جاء التهديد البريطاني باستيلاء ابن سعود على السلطة، وتم تحريض قادة آخرين في شبه الجزيرة العربية ضد الشريف.

وفي ظل قلق بريطاني شديد من تحالف الرشيد مع الشريف، أطلق البريطانيون العنان لابن سعود لاحتلال حائل التي استسلمت رسمياً في نوفمبر 1921، وبعد هذا منحوا ابن سعود لقبا جديدا، فلم يعد “أمير نجد وشيخ عشائرها” بل “سلطان نجد وتوابعها”، وفي غضون أسابيع، بدأت قوات ابن سعود وأتباعه الوهابيين في إدارة ما أسموها “الركلة الأخيرة” للشريف وهاجموا المنطقة الحجازية، وبحلول سبتمبر 1924، كان ابن سعود قد اجتاح العاصمة الصيفية للشريف حسين، الطائف.

استولى ابن سعود على مكة، في منتصف أكتوبر 1924م، فتنازل الشريف عن العرش وذهب إلى المنفى الحجازي في العقبة، وتم إجبار الشريف على الخروج من العقبة، وهو ميناء حرره الشريف من الإمبراطورية العثمانية خلال “الثورة العربية” يونيو 1925م، وبدأ ابن سعود حصاره لمدينة جدة في يناير 1925، واستسلمت المدينة في ديسمبر من العام نفسه، حينها اعترف البريطانيون رسمياً بابن سعود ملكاً جديداً للحجاز في فبراير 1926، وأعادت الإمبراطورية تسمية الدولة الوهابية في عام 1932م، باسم “المملكة العربية السعودية”.

فعندما يقوم زعيم عربي بالخيانة ويصبح عميلا، وعندما يذبح هذا العميل العرب، ويعين ملكاً مكافأة له على خيانته، حينها سيصبح خائنا ويبقى خائنا الى الابد، لأنه لا يمكن لأي قدر من الثروة أو الدعاية أن يغير الحقيقة الواضحة.

في الواقع، فإن المفارقة المريرة التي يجب على المسلمين ليس معرفتها فحسب بل اجتثاثها أن أقدس مواقع الإسلام تحكمهما اليوم العشيرة السعودية والتعاليم الوهابية لأنها ساعدت الإمبراطورية البريطانية سابقاً والادارات الأمريكية فيما بعد على إرساء أسس الصهيونية في شبه الجزيرة العربية.

المصادر
معلومات مجموعة من تقارير عدة من مواقع اخبارية سعودية معارضة
– دراسة الدكتور عسكر العنزي لعام 2010
– كُتاب ومؤرخين بارزين، كالدكتور العنزي في كتاب نشأت المملكة والباحث المستقل نعمان عبد الواحد وغاري ترويلر في كتاب ولادة المملكة العربية السعودية، وديفيد هوارث في كتاب حياة ابن سعود