المشهد اليمني الأول

الشهيد كمفهوم نحتفي به اليوم، هو مفهومٌ تجاوز التوصيفاتِ الطرفيةَ التي عادةً ما تُطلَقُ جزافاً، في مسعًى لإظهار أحقية القضية التي يُقتَلُ مِن أجلِها الفرد، وَلطالما سمعنا هذا اللفظ يُطلَقُ حتى لمن يقاتلون في صف الباطل أياً كان شكل ومبرّرات هذا الاصطفاف، لكن وَبذات القدر الذي نفتخرُ فيه بشهدائنا وَنعلي مقامهم اليوم، فَـإنَّه يحق لنا أن نحتفيَ بأن المفهوم والمصطلح قد بلغ بهم ذروةَ الكمال المبدئي واللفظي وَتملك كُـلّ نواصي الكلمة قولاً وَفعلا.. لا مكابرة وَادِّعاء.

فالشهادةُ هنا بمفهومها القرآني كاملةٌ وَمنطلقةٌ من معطيات المسمى الإلهي وَمستوفيةٌ لشروطها، وَهي أبلغُ المسميات التي لا يمكن مقارنتها بأيِّ منهج إنساني مهما كانت الفضيلة تحكمه، ناهيك عن أنها أحاطت بمعاني الشهادة بمفهومها الإنساني والوطني.. والتي لا تتعارَضُ أبداً مع المفهوم الإيماني الذي أحاط بكلِّ أصول الفضيلة التي نتغنى بها.

ولنا في سيدِ الشهداء حسين الحوثي رضوانُ الله عليه أُنموذجٌ لهذه الصفة وَمنطلقٌ لهذا النهج بأبعاده الإنسانية وَالوطنية وَالدينية، فالشهيدُ الذي أعاد تأصيلَ منهجية الشهادة وَأطلقها لتصبحَ ثقافةً وَطريقاً، كان أولَ من تملك أصولها في سلوكه وَأفعاله وَقاد بها المشروع، وَعلى ذمته ارتقى شهيداً، وهذه الحقائقُ باتت اليومَ واضحةً وجليةً بعد أن ظلت دهراً مثاراً للتشويه والتحريف والتضليل الإعلامي.

انطلق السيدُ حسين من واقع توافرت فيه كُـلُّ موجبات الثورة، ولا نقصدُ بهذه الموجبات الإمْكَاناتِ أَو الجاهزيةَ أَو الفرصَ لتحقيقها وَإنجازها، بل الظروف التي يتوجبُ على بشر سليم الفطرة وَالعقيدة وَالولاء الوطني الشريف أن يثور ضدها وَأن يتحَرّك وَيناهضَها بكل الوسائل المتاحة، تحت أي عنوان، فما بالُك أن يكونَ هذا العنوان إيمانياً خالصاً.

تحَرَّك الشهيدُ غيرَ آبه بالمآلات المتوقعة، فكُلُّها باختلافِها تمثل فوائدَ على كُـلّ المستويات، إما نصرٌ يخلُقُ واقعاً وجودياً كريماً، أَو شهادةٌ تؤسِّسُ وعياً وَترسُمُ طريقاً للأجيال، ناهيك عن معاني وَثمن هذه الشهادة عند الله وَخلود رجالها في حياة غير فانية، أي أن ثمنَ هذا التحَرّك بحسابات المصالح القريبة وَالبعيدة عظيمٌ وَكَبيرٌ.

وعلى هذه الدرب مضت قوافلُ من الرجال، مثمِّنةً بدمها الزكي مفهومَ الشهادة في نيلِها حياةَ الخلود، وَفي رسمها للحاضر وَللأجيال القادمة طريقَ الخَلاص.
_____
سند الصيادي