المشهد اليمني الأول

قد يتسابق الناس ليس في سبيل الشهادة بل في سبيل تحصيل المكاسب الدنيوية ويبذلون في سبيل الحصول عليها أنفسهم وأموالهم وهي مهما كانت تظل مكاسب تافهة لا يعوّل عليها خاصة إذا علمنا أن الإنسان لا ينتفع بشيء منها إذا فارق الدنيا وأصبح بين يدي خالقه وبارئه إلا إحدى ثلاث أكد عليها رسولنا المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم بقوله “إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له”

أو كما قال صلى الله عليه وسلم ذلك في التنافس على أمور الدنيا أما التنافس على أمور الآخرة فذلك شأن لا يفقهه ولا يجيده إلا القليل من الذين آمنوا بالله وبصدق وعده وكرامته بالشهادة ألا وهم الشهداء الذين نحتفى بهم وبذكراهم لأنهم أكرم الناس وأشجع الناس وأصدقهم إيماناً وأخلصهم يقيناً فقد آمنوا بالله وصدقوا بوعده كما في سورة التوبة “إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ”

فالمسألة “الشهادة” هنا صفقة رابحة مع الله سبحانه وتعالى يقابلها إيمان وتصديق بوعده والنتيجة هي جنة الخلد، وهنا نجد أركان البيع متحققة من خلال هؤلاء الأبطال الذين ضحوا بأنفسهم في سبيل الله ونالوا الشهادة ومن أجل إعلاء كلمة الله، فالقضية التي يقدمون أرواحهم ودماءهم من أجلها في دفاعاً عن الوطن ضد المجرمين الذين لا يرون حرمة لمسلم ولا يرعوون عن سفك الدماء وانتهاك الحرمات ونهب خيرات الأمة والانبطاح تحت أقدام الأعداء الذين والوهم واتخذوهم قدوة وأسوة لهم،

لذلك كانت وستظل الشهادة القضية ضحى لأجلها الشهداء قضية عادلة لأنها تتمثل في الحماية والدفاع عن الكليات الخمس: الدين والعرض والمال والنفس والعقل، فالمعتدون اعتدوا على الدين بالتحريف والتزييف وانتهكوا الأعراض وسلبوا المال وقتلوا النفس وصادروا حرية الرأي والفكر، فماذا عن المجاهدين والشهداء؟ إنهم أكرم الناس وأصدقهم إيماناً لم ينتظروا حتى يأتي العدو إليهم بل ذهبوا إليه لمقارعته واستئصال شوكته في ميادين العزة والكرامة والإباء رغم قلة ذات اليد وتفّوق المعتدين عليهم بالمال والسلاح، لأن غايتهم وبغيتهم هي حماية كرامة أمنهم وأبنائهم والذود عن حرماتهم ودينهم، كان بإمكانهم أن يذهبوا ويستلموا أموالاً مدنَّسة وأسلحة حديثة لكنهم سيكونون في غير مأمنٍ من الله وعقابه فاختاروا جانب الله ونصرة دينه والدفاع عن وطنهم.

وهنا يخبرنا الله سبحانه وتعالى كيف يكون الحديث عن رجال الرجال فيقول ” وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ اللّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاء وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ ” فنحن لا نشعر بهم وبما أكرمهم الله من عطاء ومنح إلهية ثم يؤكد المعنى ” وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ”، فرزقهم يجري عليهم لأنهم صدّقوا وأمنوا بالله واشتروا أنفسهم منه.

إن الشهداء هم الذين تقوم على الشهادة وعلى تضحياتهم دعائم الأمن والاستقرار للشعوب والأمم، ورسول الله صلى الله عليه وآله ما أقام الدين إلا بتضحيات الصحابة الكرام الذين شهدوا لله بالوحدانية وللنبي بالرسالة وانطلقوا يهدمون معاقل الشرك والكفر والنفاق، والحال أنه قد تطاول هؤلاء المجرمون ونسوا أن الله هو الذي أنعم عليهم بالمال فذهبوا لتبديده وتسخيره في تدمير الشعوب ومصادرة حقوقها اعتماداً على تلك الأموال وكأنى بها نشوة أبي جهل وأبي لهب وغيرها من صناديد الشرك كلٍ بأسماء وألقاب جديدة فمن يبيح المحرمات وينتهك الحرمات وفي أرض المقدسات ليس سوى جاهل للدين عدو للرسالة، فيا أيها المجاهدون ربحت تجارتكم مع الله وكنتم أوفى وأشجع الرجال، فلكم التحية “وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ”.
________
طاهر محمد الجنيد