المشهد اليمني الأول

عام مر على اغتيال الجنرال الإيراني قاسم سليماني، والقائد العسكري العراقي رفيع المستوى أبو مهدي المهندس، ورفاقهما، بمطار بغداد في 3 كانون الثاني 2020، والجريمة الأمريكية لم تُنسَ في الشرق الأوسط، فصور الجنرال والسياسي البارز سليماني تزين العديد من الشوارع والقرى في لبنان، ووجهه منتشر في كل مكان، حتى في سورية. سياسيون وعسكريون احتفوا، قبيل ذكرى الاغتيال، بجنرال “الحرس الثوري” الإيراني. في الغرب، لا يزال سليماني يُعتبر إرهابياً. أما في المنطقة -باستثناء دول الخليج المتحالفة مع الغرب و”إسرائيل”- فيتم تكريمه كبطل ووسيط.

الحكومة الإيرانية حذرت واشنطن من نشر المزيد من السفن الحربية الأمريكية لـ”عسكرة منطقة الخليج الفارسي”، داعية إياها إلى إنهاء “مغامراتها خارج الحدود الإقليمية”. وقال المتحدث باسم الحكومة، علي ربيعي، في طهران، إن “عسكرة الخليج ليس في مصلحة أي دولة، لا في المنطقة ولا في العالم”، وأن إيران تتطلع إلى حكومة أمريكية جديدة متغيرة الوجهة في البيت الأبيض، وبالتالي يتوجب على واشنطن الكف عن تدخلاتها وبث “الفتنة بين دول المنطقة”، وإيران مستعدة “لأي سيناريو”.

وبخصوص العلاقات بين كل من إيران وروسيا والصين، قال المتحدث باسم الحكومة الإيرانية، ردا على سؤال من الصحفيين، إنها جيدة للغاية، فطهران متعاونة مع روسيا في محاربة الإرهاب بسورية، وقد وسعت علاقاتها مع موسكو سياسياً واقتصادياً، وكذلك على صعيد السياسة الدفاعية. ربيعي أوضح أن “أمن الخليج العربي يجب أن تضمنه دول المنطقة”، مضيفاً أن ذاك هو السبيل الوحيد لتحقيق الأمن والسلام الدائم لجميع دول المنطقة، وأن إيران أوضحت ذلك عندما قدمت مبادرة «هرمز» للسلام. وكانت طهران أجرت في 2019 محادثات بشأن المبادرة مع جميع دول الخليج باستثناء السعودية.

ومن أجل الوصول إلى الرياض أيضاً، عرضت بغداد نفسها كوسيط. كان الجنرال سليماني قد كُلف من قبل بلده بنقل رسائل إلى بغداد وإعادة الردود إلى طهران. بعد وقت قصير من اغتيال سليماني، أبلغ رئيس الوزراء العراقي، عادل عبد المهدي، الذي كان لا يزال في منصبه، البرلمان بشأن العملية الدبلوماسية الحساسة. فهو نفسه كان لديه موعد مع سليماني بعد ساعات قليلة من مقتله. قال عبد المهدي، بحسب صحيفة “الإندبندنت” البريطانية على الإنترنت في 6 يناير/ كانون الثاني: “كان من المفترض أن يسلم رسالة من إيران رداً على رسالة حملناها من السعودية إلى إيران”.

أما واشنطن فتقول إن سليماني كان يعد حملة إرهاب جديدة ضد قوات الجيش الأمريكي في بغداد. لم يكن لديها من دليل لدعم زعمها ذاك، الأمر الذي يجعلك تتذكر عدم وجود أسلحة دمار شامل في العراق، كما ورد في “الإندبندنت”، حيث إن الولايات المتحدة وبريطانيا العظمى راحتا تزعمان وجود تلك الأسلحة، من أجل غزو العراق في عام 2003 – دون تفويض من الأمم المتحدة.

أمين عام حزب الله اللبناني، حسن نصر الله، تحدث في 28 كانون الأول (ديسمبر) في مقابلة مع قناة “الميادين” استمرت عدة ساعات، عن دور سليماني أثناء وبعد حرب 2006 ضد “إسرائيل”. نصر الله قال إن سليماني لم يكن منسق المقاومة العسكرية في أرض المعركة فحسب، بل إنه أعلن، قبل أيام قليلة من وقف إطلاق النار، قيامه بحملة في إيران لدعم إعادة إعمار لبنان. وأضاف نصر الله أن الوضع الاقتصادي في إيران كان في ذلك الوقت أفضل بكثير مما هو عليه اليوم. فقد وفرت إيران مبالغ كبيرة لحزب الله من أجل إعادة البنية التحتية المدمرة في البلاد، وقبل كل شيء المباني السكنية للمشردين.

وبحسب نصر الله، فإن الحرب على سورية رآها سليماني فور سقوط حسني مبارك بمصر في فبراير 2011. وفي 2015، أقنع سليماني الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بدعم الجيش السوري في قتاله ضد جبهة فتح الشام و”الدولة الإسلامية”، وغيرها من الجماعات الإرهابية في سورية.

وقال نصر الله إن الولايات المتحدة هي التي باشرت اغتيال سليماني، غير أن السعودية و”إسرائيل” ساعدتاها، مشيراً إلى أن سليماني كان يتمتع بكاريزما قوية للغاية. فلقد كان مثقفًا جيدًا ويقظًا على الدوام، وكان قادرًا على التأثير في الناس، “خاصة عندما يتعلق الأمر بالناحية الإنسانية والأخلاقية”. كان الجنرال “في مقدمة الصفوف” ولم يكن يعمل من “غرفة عمليات” في الكواليس.

اليمن هي أيضاً أثنت على سليماني. فقد وصفه عبد الإله حجر، مستشار المجلس السياسي، بأنه “رمز للمقاومة ضد كل مستعمر وغازٍ وظالم”، وأن الأولوية الأولى بالنسبة لسليماني كانت هي القضية الفلسطينية وتحرير التراب العربي، بحسب حجر. ولهذا السبب تم قتله.

السفير الإيراني في بغداد، إيراج مسجدي، أكد على قناة “العراقية” الإخبارية، أن للجمهورية الإسلامية الحق في الانتقام من جريمة مقتل سليماني، مشيراً إلى أن الرد لا يجب أن يكون عسكرياً بالضرورة، بل إن الانتقام سيتحقق أيضاً بانسحاب الجنود الأمريكيين من المنطقة.