المشهد اليمني الأول

لم يترك نظام “بن زايد” الإماراتي جريمة أو انتهاكا أو فظيعة من الفظائع إلا وارتكبها في جنوب اليمن، وتحديدا في عدن، التي تحولت إلى مدينة محتلة تعيث فيها الإمارات وميليشياتها فسادا.

اليمن السعيد لم يعد سعيدا، بل صار كئيبا حزينا منذ وطئته أقدام القوات الإماراتية والسعودية عام 2015 بدعوى مواجهة الحوثيين وإعادة شرعية الفنادق.

جرائم الإمارات التي يشيب لها الولدان لم تتكشف إلا بعد عامين من دخولها جنوب اليمن، وتحديدا في عام 2017 حيث بدأت التقارير الحقوقية والدولية تخرج للعلن كاشفة عن جرائم حرب ارتكبت في حق الشعب اليمني المغلوب على أمره.

فالإمارات نفذت في عدن مئات الاغتيالات وأقامت سجونا سرية وكونت ميليشيات مسلحة تابعة لها، وعذبت المعتقلين وأخفتهم بل وصفت جسديا عددا منهم، وهو ما وثقته منظمات حقوقية.

ليس هذا فحسب، بل دمرت الإمارات اقتصاد اليمن واستولت على منشئات الغاز لحسابها وبالشراكة مع شركات فرنسية لتغض باريس الطرف عن المجازر الوحشية لنظام بن زايد الدموي.

حتى دعوى إعادة الشرعية التي دخلت من أجلها قوات الإمارات إلى اليمن لم تحدث، فالإمارات بسطت سيادتها على مدن الجنوب وأدارتها لحسابها رافضة سيادة الحكومات اليمنية عليها، ليفيق المواطن اليمني أنه أصبح تحت احتلال من دولة خليجية.

نفس الأمر تنبهت له السعودية مؤخرا، حيث اكتشفت الخديعة الإماراتية التي انفردت بالجنوب تاركة القوات السعودية في وحل الشمال أمام جماعة الحوثي، ولعل هذا هو الخلاف الذي بدأ يدب بين بن سلمان وبن زايد في الفترة الأخيرة.

تعذيب واغتيالات

في عام 2017 وثّقت منظمة هيومن رايتس ووتش حالات 49 شخصا، من بينهم 4 أطفال، تعرضوا للاحتجاز التعسفي أو الإخفاء القسري في محافظتي عدن وحضرموت وذلك على يد قوات أمنية مدعومة من الإمارات.

وأوضحت أن قوات الحزام الأمني وقوات النخبة الحضرمية استخدمت القوة المفرطة خلال الاعتقالات والمداهمات، واعتقلت أقارب مشتبه بهم للضغط عليهم للاستسلام بشكل “إرادي”، واحتجزت تعسفا رجالا وشبانا، واحتجزت أطفالا مع راشدين، وأخفت العشرات قسرا.

وقالت هيومن رايتس ووتش إن بعض المحتجزين تعرضوا للانتهاكات أو التعذيب داخل المعتقلات الإماراتية السرية، بالإضافة لمعلومات أخرى لديها أن الإمارات نقلت بعض المعتقلين المهمين لديها خارج اليمن. بينما قال أحد الناشطين اليمنيين إن نحو 15 شخصا نُقلوا إلى قاعدة عسكرية تطورها الإمارات في مدينة عصب الإريترية متهما أبو ظبي بالإخفاء القسري للكثير من اليمنيين.

قوات الحزام الأمني

في عام 2019، تكشف المزيد من مسلسل الانتهاكات الإماراتية في اليمن، حتى أصبح اسم أبو ظبي مقروناً بالاغتيالات والسجون السرية والتعذيب في البلد الذي كان سعيدا.

ففي 25 نوفمبر 2019، نشرت قناة “الجزيرة” تحقيقاً عن ملفي الاغتيالات والسجون السرية، قالت إنها حصلت عليهما عبر محاضر تحقيق مع متهمين بتنفيذ عمليات اغتيال، وشهادات حصرية. أوضحت المحاضر أن المسؤول الأول عن عصابة الاغتيالات في عدن كان يعمل مع الإماراتيين، وتحديداً مع ضابط إماراتي لقبه “أبو خليفة”.

كما توثق إفادات المتهمين بأسماء الشخصيات المتورطة وأدوار المنفذين، بالإضافة إلى الجهات التي تمولها وتوجهها، وعلى رأسها قوات الحزام الأمني والاستخبارات الإماراتية. من جهته قال توفيق الحميدي، رئيس منظمة سام للحقوق والحريات ومقرها جنيف، إن ملف الاغتيالات والسجون السرية في اليمن أصبح “مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بالإمارات والأحزمة الأمنية التي أنشأتها خلال السنوات الماضية”.

وأضاف أن منظمته في مايو من عام 2017، كشفت عن وجود 18 سجناً سرياً في محافظتي عدن وحضرموت، وما يتعرض له المعتقلون من انتهاكات فظيعة. وأكد الحميدي أن ملف المعتقلين في سجون الإمارات باليمن تحول، منذ منتصف 2017، إلى ملف دولي وتناولته المنظمات والإعلام، وتحول إلى “لعنة تطارد الإمارات”.

وفي أكتوبر 2019، كشفت منظمة “رايتس رادار” لحقوق الإنسان في العالم العربي ومقرها أمستردام، عن رصدها 134 حالة اغتيال في مدينة عدن، منذ سبتمبر 2014 إلى يوليو 2019. تليها تعز حيث تنشط جماعة “أبو العباس” الموالية للإمارات، بعدد 113 حالة اغتيال، وسط تأكيدات على استهداف الإمارات لأعضاء حزب الإصلاح اليمني التابع لجماعة الإخوان المسلمين.

وقالت المنظمة إنها رصدت أيضاً حالات اغتيال في أبين ولحج 32 حالة لكل منهما، وحضرموت 27، وشبوة 17، والضالع 16، وهي مناطق تقع جميعها تحت سيطرة قوات موالية للإمارات. وذكرت المعلومات اختفاء نحو 2000 يمني في السجون، كما اتهم فريق من خبراء الأمم المتحدة قوات الإمارات في اليمن بالمسؤولية إزاء أعمال التعذيب.

منظمات حقوقية عديدة أكدت أن ما تقوم به القوات الإماراتية في اليمن يرقى لكونه جرائم حرب، في ظل تقارير كشفت عن تصفية 23 معتقلاً يمنياً داخل السجون السرية الإماراتية في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن.

نهب الثروات

إذا كانت الجرائم الحقوقية التي ارتكبها نظام “بن زايد” بحق المواطنين اليمنيين هو الأبرز، فإن هناك انتهاكا من نوع آخر جرى بحق اليمن.

فالإمارات طعنت جميع الاتفاقات في الظهر، ووسط جهود لم الشمل في اليمن وتشكيل حكومة موحدة من الشمال والجنوب اليمني حرضت حكومة أبو ظبي المجلس الانتقالي اليمني المدعوم منها في الجنوب على الانفصال. ولعل احتفاء الإمارات منذ أيام قليلة بتصريحات رئيس المجلس الانتقالي اليمني عبر قنواتها بالتمسك بانفصال جنوب اليمن لم يكن غريبا.

ولا يزال المجلس، الذي يطالب بانفصال جنوب اليمن عن شماله، مسيطرا على مناطق جنوبية حيوية، بينها العاصمة المؤقتة عدن وجزيرة سقطرى الاستراتيجية. هذه الأماكن الحيوية اتهم مسئولون يمنيون الإمارات باستنزاف ثرواتها، حيث طالب محافظ شبوة، محمد صالح بن عديو، دولة الإمارات بإخراج قواتها من منشأة بلحاف الحيوية.

منشأة بلحاف مخصصة لتخزين وتصدير الغاز الطبيعي المسال، وتشكل موردا أساسيا للدولة.

من جانبه قال مستشار وزارة الإعلام اليمنية، مختار الرحبي، إن “منشأة بلحاف تعد أكبر مشروع اقتصادي في اليمن، وحولته الإمارات إلى ثكنة عسكرية وسجن خاص بها تعذب فيه المعتقلين”. وأضاف: “للأسف الشديد الإمارات ركزت منذ وصولها اليمن على المناطق الاقتصادية وسيطرت عليها، مثل منشأة بلحاف وجزيرة سقطرى”.

ويبقى التساؤل من اليمنيين كيف تنتهي مآسيهم ومتى يزول الاحتلال الإماراتي لبلادهم، حيث لم تتطرق المصالحة الخليجية لهذا الأمر الملح قانونيا وإنسانيا.