المشهد اليمني الأول

صنفت وزارة الخارجية الأمريكية جماعة الحوثي اليمنية ـ القوة الأكثر فعالية في محاربة تنظيم القاعدة ـ على أنها منظمة “إرهابية” في الوقت الذي تقوم فيه واشنطن والسعودية بدعم القاعدة.

بعد مضي سنوات دعمت فيها الإدارة الأمريكية القاعدة في اليمن، قامت بتصنيف جماعة الحوثي – عدو القاعدة في البلاد ـ على أنها منظمة إرهابية، وكالحروب التي قادتها أمريكا على سوريا وليبيا ويوغوسلافيا وأفغانستان في الثمانينيات، تمثل اليمن نموذجا آخر للصراعات المسلحة التي تدعم فيها واشنطن القاعدة والسلفيين الجهاديين المتطرفين بغرض تغيير النظام وتوسيع هيمنتها.

ومنذ مارس 2015 وأمريكا تقوم بالمساعدة والإشراف على حرب كارثية على اليمن ـ أفقر دولة في الشرق الأوسط ـ من خلال مساعدتها للسعودية على شن عشرات الآلاف من الغارات الجوية على جارتها الجنوبية حولتها إلى ركام وتسببت في أسوأ أزمة إنسانية على وجه الأرض، قُتل فيها مئات الآلاف من اليمنيين، وتسبب الاستهداف السعودي الأمريكي المتعمد لوسائل إنتاج الغذاء إلى تهديد الملايين من الناس بالمجاعة، كما تم استهداف البنية التحتية الصحية ما صنع أسوأ تفش سجل في التاريخ لمرض الكوليرا.

وخلال فترة الحرب، تكونت وتوسعت القاعدة والجماعات السلفية الجهادية الأخرى في جنوب اليمن، وانتشار هؤلاء ليس مجرد صدفة، فهو نتيجة لتدخلات الحكومة الأمريكية.

لقد قاتلت القوات في اليمن المدعومة من الولايات المتحدة وبريطانيا والسعودية والإمارات، بجانب القاعدة، وليس هذا هو الصراع الوحيد في الشرق الأوسط الذي تتحالف فيه واشنطن مع الجماعات الإرهابية، فوفقا لتسريبات البريد الإلكتروني لهيلاري كلينتون، ذكر مستشارها السابق جيك سوليفان ـ مستشار الأمن القومي لجو بايدن حاليا ـ في رسالة موجزة إلى هيلاري: “القاعدة في سوريا في صفنا”، وهناك أدلة عديدة تكشف هذا التحالف الفعلي بين واشنطن والقاعدة ذكرتها منصات إعلامية كالـ”أسوشييتد برس” وصحيفة “وول ستريت”.

تتحالف الحكومات الغربية والممالك الخليجية مع القاعدة في اليمن لأنها تملك عدوا مشتركا هو الحركة الحوثية، وهي حركة شيعية محلية ذات توجه سياسي انبثقت من صراعات محلية لمقاومة النفوذ الوهابي السعودي المتطرف في المناطق الحدودية الشمالية لليمن، ويحكم الحوثيون ـ الذين يطلقون على أنفسهم رسميا أنصار الله ـ المناطق الشمالية من اليمن، حيث يعيش غالبية السكان، وقد سيطروا على البلاد بعد الإطاحة بنظام استبدادي غير منتخب وفاسد للغاية تدعمه أمريكا في 21 سبتمبر 2014، في ما أطلقوا عليه اسم ثورة الـ21 من سبتمبر.

وقد أثبت منذ مارس 2015 فشل الولايات المتحدة وحلفائها (بريطانيا، والسعودية، والإمارات) في طرد أنصار الله من السلطة، وخلال ذلك وفي تصرف يائس قام التحالف بمعاقبة السكان المدنيين اليمنيين بشكل جماعي، أدى إلى تدمير جزء كبير من البلاد، وفي 10 يناير 2021، أخذت وزارة الخارجية الأمريكية حربها المهجنة إلى مستوى آخر بوضعها الحركة الحوثية ضمن قائمة الإرهاب.

لقد شكل وصف الإرهاب ضربة كبيرة لمنظمات الإغاثة الدولية التي تعمل على منع حدوث مجاعة وإنقاذ أرواح المدنيين في اليمن، وكون الحوثيين يديرون الحكومة في معظم اليمن، فإن التصنيف يجرم فعليا أعمال الإغاثة في غالبية المناطق غير الخاضعة للسيطرة الفعلية لواشنطن.

ويُدار الجزء الجنوبي من اليمن ـ الخارج عن سيطرة أنصار الله ـ من قبل حكومة عميلة للولايات المتحدة، يقودها ظاهريا الرئيس غير المنتخب عبد ربه منصور هادي، الذي أمضى تقريبا كامل مدة الحرب يعيش في السعودية، وترتبط الحكومة اليمنية في الجنوب والمدعومة من الولايات المتحدة والسعودية ارتباطا وثيقا بالقاعدة، وقد استخدمت هذه الحكومة، وبكامل علم المسؤولين في واشنطن، القاعدة كوسيلة أساسية في حربها على الحوثيين.

حيث قامت قوات التحالف بتجنيد متطرفين من القاعدة في قتالهم ضد أنصار الله، وأوقف الجيش الأمريكي ضربات الطائرات بدون طيار على السلفيين الجهاديين، ودعمت ومولت الممالك الخليجية المدعومة من الولايات المتحدة متطرفي القاعدة اليمنيين الذين وردت أسماؤهم على قائمة الإرهاب الأمريكية، وشغلوا مناصب عليا في الحكومة اليمنية العميلة في الجنوب.

إن المسلحين السلفيين الجهاديين في اليمن هم جزء من القاعدة في شبه الجزيرة العربية، التي تعتبر واحدة من أكثر الجماعات الدولية تطرفا ووحشية، وكانت قد رفعت علم القاعدة قبل عدة سنوات من ظهور الدولة الإسلامية (داعش) المنبثقة من الحروب المدعومة أمريكيا على العراق وسوريا.

زعم وزير الخارجية مايك بومبيو أن التصنيف كان جزءا من حملة واشنطن لإضعاف النفوذ الإيراني في المنطقة، كجزء من الحملة الدعائية التي تقودها الولايات المتحدة لتصوير الحركة على أنها مجرد “وكيل لإيران”، ولكن على الرغم من أنها قد تلقت دعما سياسيا وإعلاميا من إيران، إلا أنها حركة أصيلة مستقلة يتأصل كفاحها المقاوم في تاريخ اليمن، وكحركة حزب الله اللبنانية الوطنية، التي غالبا ما تقارن بأنصار الله، فإن الحوثيين حلفاء لإيران، لكنهم مستقلون، وكلاهما نشأ نتيجة نضالات محلية خاضوها ضد محاولة الهيمنة الأجنبية على بلديهما (الحرب الإسرائيلية على لبنان، والعدوان السعودي على اليمن).

كما أظهرت جماعة أنصار الله، التي تبنت شعار “الموت لأمريكا، الموت لإسرائيل”، أيديولوجية ثابتة مناهضة للإمبريالية وداعمة لحركات المقاومة العالمية، فحكومتهم ترفض الاعتراف بإسرائيل وتدعو بالصوت العالي لنضال التحرير الفلسطيني، وتدعم الحكومة السورية وحلفاءها ضد المسلحين السلفيين الجهاديين المدعومين من الغرب.

وقد أعرب الحوثيون علنا عن تضامنهم مع فنزويلا ضد محاولة الانقلاب التي قادتها الولايات المتحدة لتنصيب خوان غوايدو عام 2019، وسابقا عام 2015 صرح أحد كبار قادة أنصار الله للصحفية صفاء الأحمد بالآتي: “سنساعد المضطهدين في كل مكان في العالم.. نحن ندعم شافيز في فنزويلا”.

وتساءل: “ما سبب الإصرار على إظهار حصولنا على دعم من إيران عوضا عن تسليط الضوء على الرغبة في تحويل هذا الصراع في البلد والمنطقة إلى صراع طائفي على أجندة أمريكية وصهيونية؟”. من الواضح أن التصنيف الأمريكي يهدف إلى تجريم الحركة الحوثية، وغالبية اليمنيين ككل، بسبب وقوفها أمام المصالح الجيوسياسية لواشنطن ومقاومتها.

vمن المفارقات أن اليمنيين أنفسهم قاموا بوقفات احتجاجية عديدة حملت شعار “لا للإرهاب الأمريكي على اليمن”، منها نذكر الوقفة الاحتجاجية التي أقاموها في ذكرى قصف التحالف الأمريكي السعودي لقاعة عزاء أسفر عن مقتل أكثر من 140 شخصا وجرح 600 آخرين.

حيث نصب اليمنيون تمثال حرية على شكل شيطان ملطخ بالدماء حاملا قنابل أمريكية وإسرائيلية وبجانبه لافتة كتب عليها عبارة “أمريكا تقتل الشعب اليمني”، أيضا كانت قد انتشرت صورة لرجل يمني متنكر بشخصية دونالد ترامب مرتديا العلم الأمريكي وقبعة مكتوباً عليها “نفط” واقفا أمام بقرة على ظهرها العلم السعودي ومن تحتها العلم الإسرائيلي.

وتذكرنا عملية تصنيف الولايات المتحدة لأنصار الله كإرهابين بأخرى مماثلة كانت قد انتهجتها ضد حركات تحرير وطنية أخرى في جنوب الكرة الأرضية، فقد ظل اسم نيلسون مانديلا، زعيم جنوب أفريقيا المناهض للفصل العنصري، على قائمة الإرهاب الأمريكية حتى العام 2008 ـ بعد أن ساعدت وكالة المخابرات المركزية CIA نظام الفصل العنصري على سجنه لمدة 27 سنة.

وكان سبب تصنيف واشنطن حزب مانديلا (حزب المؤتمر الوطني الأفريقي) كمنظمة إرهابية هو دعمه للكفاح المسلح ضد نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا المدعوم أمريكيا، وقد بقي الحزب على قائمة الإرهاب الأمريكية حتى بعد أن انتخب ديمقراطيا لقيادة الحكومة بعد إسقاط النظام العنصري في البلاد.

لكن وصف الحكومة الأمريكية للحوثيين بالإرهابيين يعتبر نفاقا مضاعفا وذلك بالنظر إلى علاقة واشنطن الحميمة مع القاعدة في اليمن.

إن التحالف الموجود بين الولايات المتحدة والمملكة السعودية والقاعدة أو بين الغرب والممالك في الخليج مع الجماعة السلفية الجهادية الإرهابية سيئة السمعة، ليس مجرد تكهنات يطلقها الصحفين المناهضون للحرب، بل هو تحالف معروف منذ بداية الحرب الدولية على اليمن عام 2015.

وقد اعترفت بوجوده كبريات شركات الإعلام، على سبيل المثال، نشرت صحيفة “وول ستريت جورنال“، في يوليو 2015، تقريرا قالت فيه إن “المليشيات المحلية المدعومة من السعودية والقوات الخاصة الإماراتية ومسلحي القاعدة قاتلت جميعها في صف واحد هذا الأسبوع لاستعادة السيطرة على معظم مساحة ثاني أهم مدينة في اليمن (عدن) من المتمردين الحوثيين الموالين لإيران”.

وتابعت الصحيفة: “تبذل المليشيات المدعومة من السعودية الجهود من أجل استعادة ما سيطر عليه الحوثيون ولإعادة الحكومة التي قادها المتمردون إلى المنفى في السعودية، إلا أنهم ـ بحسب سكان محليين ودبلوماسي غربي كبير ـ قد لجأوا إلى القاعدة في شبه الجزيرة العربية في اليمن طلبا للمساعدة، وهذا يضع المملكة الخليجية حليفة الولايات المتحدة في نفس الخندق مع واحدة من أكثر الجماعات المتطرفة شهرة في العالم”.

وأضافت أنه بعد أن ساعدت القاعدة القوات اليمنية المدعومة من الولايات المتحدة في طرد الحوثيين من مدينة عدن، “احتفل مقاتلو القاعدة بالنصر إلى جانب المليشيات، وجالوا بجثث الحوثيين في شارع تجاري رئيسي في المدينة أمام حشد مبتهج”، وذكرت أن سكاناً من عدن قالوا لها إنهم رأوا أعلام القاعدة ترفرف في جميع أنحاء المدينة.

لقد كانت الحكومة الأمريكية تدرك جيدا أنها كانت تقوي القاعدة في اليمن، واستمرت مع ذلك في تحميل حركة أنصار الله المسؤولية، حيث ذكرت الصحيفة أن “المسؤولين الأمريكيين يقرون بأن القاعدة في شبه الجزيرة العربية هي أحد أكبر المستفيدين من الحرب، لكنهم يقولون إن المتمردين الحوثيين هم المسؤولون في النهاية”.

وظهرت لأول مرة، في فبراير 2016، أدلة مصورة عندما قامت الصحفية صفاء الأحمد بتوثيق قوات التحالف الأمريكي السعودي الإماراتي وهي تقاتل بجانب القاعدة قوات الحوثيين من أجل السيطرة على مدينة تعز، وتم عرض هذه المشاهد على قناة “بي بي سي”. وفي يناير 2017، نشرت لجنة خبراء تابعة للأمم المتحدة تقريرا سنويا عن حرب اليمن أقرت فيه بأن عناصر القاعدة “شاركوا أيضا في القتال في تعز إلى جانب (المقاومة) ضد قوات الحوثي وصالح”.

وأضاف الخبراء في تقريرهم: “يقدر الفريق أن القاعدة في شبه الجزيرة العربية تعمل بنشاط للتحضير لهجمات إرهابية ضد الغرب تنطلق من اليمن”، ويقدم هذا التصريح تحذيرا واضحا من هجمات ارتدادية من مثيلات تلك التي تعرض لها المدنيون الأمريكيون والأوروبيون بفضل رعاية حكوماتهم للمتطرفين السلفيين الجهاديين.

تم الاعتراف بدعم واشنطن للقاعدة في اليمن بهدوء، وغالبا ما تم تجاهله في عهد أوباما، ولكن عندما تولى دونالد ترامب الرئاسة، بدأت وسائل الإعلام التابعة للشركات، التي طالما عملت على تبييض وتجاهل حرب اليمن، في تقديم تقارير أكثر انتقادا، فقد نشرت وكالة “أسوشييتد برس”، على سبيل المثال، تحقيقا مفصلا في أغسطس 2018 شرحت فيه كيف أن قوات التحالف المدعومة أمريكيا وسعوديا في اليمن “أبرمت صفقات سرية مع مقاتلي القاعدة، ودفعت لبعضهم مقابل مغادرة المدن والبلدات الرئيسية وسمحت للآخرين بالتراجع بالأسلحة والمعدات ورزم من الأموال المنهوبة.. وتم تجنيد مئات آخرين للانضمام إلى التحالف نفسه”.

وكتبت الوكالة أن “المليشيات المدعومة من التحالف تقوم بشكل نشط بتجنيد مقاتلي القاعدة، أو من كانوا سابقا أعضاء في التنظيم، لأنهم يعتبرون مقاتلين استثنائيين”. وأشارت إلى أن بعض المتطرفين اليمنيين من القاعدة المدرجين على قائمة الإرهاب الأمريكية تم تمويلهم من قبل دول الخليج لقيادة مجندين في التحالف الأمريكي.

وأضاف التقرير: “قال مشاركون رئيسيون في الاتفاقيات إن الولايات المتحدة كانت على علم بالترتيبات وأوقفت جميع ضربات الطائرات بدون طيار”. وذكر تقرير الوكالة بكل وضوح: “إن المهمة الأكبر هي كسب الحرب الأهلية ضد الحوثيين، المتمردين الشيعة المدعومين من إيران، ومقاتلي القاعدة يقفون في صف التحالف السعودي ـ الأمريكي بالتالي”.

كما نقلت الوكالة عن أحد العاملين في مؤسسة جيمس تاون، وهي مؤسسة فكرية مقربة من وكالة المخابرات المركزية (CIA)، اعترافه بأن “عناصر الجيش الأمريكي تدرك بوضوح أن الكثير مما تفعله الولايات المتحدة في اليمن يساعد القاعدة في شبه الجزيرة العربية، وهناك الكثير من القلق بشأن هذا.. لكن دعم الإمارات والسعودية ضد ما تراه الولايات المتحدة أنه توسع إيراني له أولوية على محاربة القاعدة في الجزيرة وحتى على تحقيق الاستقرار في اليمن”.

وتبع التحقيق الميداني الذي أجرته وكالة “أسوشييتد برس” تقرير أصدرته “سي إن إن” للعام 2019، وضحت فيه أن الأسلحة التي باعتها الولايات المتحدة إلى السعودية والإمارات قد تم نقلها لاحقا إلى القاعدة في اليمن. لم تظهر الولايات المتحدة في تصنيفها للحركة الحوثية ضمن قائمة الإرهاب مستوى مذهلاً من النفاق فحسب، بل قدمت بفعالية هدية لنفس المنظمة المتطرفة التي استخدمتها لتبرير ما تسميه “حربها على الإرهاب”.

بن نورتون صحيفة ذا جراي زون
ترجمة محمد إبراهيم زبيبة/ لا ميديا

المقالة السابقةالعراق.. أحد منفذي التفجير المزدوج في بغداد سعودي الجنسية
المقالة التاليةاستئناف مُفاجِى للعلاقات المصرية القطرية وقبل السعودية والإماراتية.. ماذا يجري بالضبط؟ وما هي “كلمة السر” الجزيرة وأخواتها؟ وهل هي مصالحة دائمة أم تحت التجربة؟