المشهد اليمني الأول

السيدة جين سكاي، المتحدثة باسم البيت الأبيض، “تطوعت” يوم الخميس الماضي بالكشف في مؤتمرها الصحافي بالحديث عن عزم ادارتها إعادة “تنظيم” علاقتها بالمملكة العربية السعودية، وحصر تعامل الرئيس الأمريكي جو بايدن مع العاهل السعودي الملك سلمان فقط، والاهم من ذلك كله، التعهد بكشف النقاب عن مضمون تقرير سري حول تفاصيل عملية اغتيال الصحافي جمال خاشقجي في غضون أيام.

بالنظر الى ضبط العلاقات المتبعة بين الدول، وخاصة بين دولة عظمى مثل الولايات المتحدة، ودول صغرى، او كبرى في العالم، فان المنطق يقول، بأن السيدة سكاي لا يمكن ان تكشف عن مثل هذه المعلومات الا استنادا لوجود “ملف” متكامل حول فحوى “التنظيم”، واسس العلاقة الجديدة مع المملكة العربية السعودية التي ستتمخض عنه.

فرفع السرية عن تقرير اغتيال الصحافي خاشقجي الذي يتضمن وثائق وادلة مدعمة بالصوت والصورة عن تفاصيل عملية الاغتيال وتقطيع الجثمان المرعبة داخل قنصلية السعودية في إسطنبول، لا يمكن ان يكون من اجل اشباع نهم الصحافة فقط،

وانما لإلحاقه بقرارات “محورية” في اطار عملية إعادة ضبط العلاقة مع السلطات السعودية أيضا، خاصة ان السيدة افريل هاينز رئيسة “السي أي ايه” اكدت ان خلاصة هذا التقرير تؤكد ان الأمير بن سلمان هو الذي اصدر الأوامر لفريق الاغتيال بقتل الضحية واخفاء جثمانه حرقا او تذويبا، والا لماذا يحمل فريق الاغتيال منشارا كهربائيا واحماض مذيبة.

تركيز إدارة بايدن على انهاء حرب اليمن التي وصفتها بأنها “كارثة إنسانية” لا يمكن ان يتم دون “معاقبة” الشخص الأول المسؤول عن اشعال فتيل هذه الحرب وكل ما ترتب عليها، أي الأمير بن سلمان، ولي العهد ووزير الدفاع في بلاده، وقد يتم توظيف عملية اغتيال خاشقجي كخطوة رئيسية في اطار هذا التوجه.

الأمير بن سلمان تلقى الرسالة الامريكية، وفهم جيدا مضمونها مثلما فهم توجهات الإدارة الامريكية الجديدة “ادارة بايدن “بتبني ملفات حقوق الانسان كسلاح جديد يشكل جوهر سياستها في العالم، ولهذا بادر فورا بإصدار مراسيم بإصلاح النظام القضائي السعودي، والافراج عن بعض المعتقلين، والمعتقلات في سجون بلاده على رأسهم عدد من الموظفين السعوديين الذين يحملون الجنسية الامريكية،

والناشطة الحقوقية الأشهر السيدة لجين الهذلول، ولكن هذه الإجراءات، على أهميتها، تظل نقطة في بحر بالنظر الى الأعداد الضخمة للمعتقلين السعوديين، ومن بينهم امراء كبار مثل الأمير محمد بن نايف ولي العهد السابق، والحليف الاوثق لإدارة أوباما الديمقراطية في الحرب على الإرهاب، وعمه الأمير احمد بن عبد العزيز والقائمة تطول.

الرئيس بادين الذي سيجعل من الصين العدو الأكبر على قائمة استراتيجيته الجديدة، لا يمكن ان يتحدث عن اضطهاد اقلية الايغور المسلمة في غربها، ويقيم في الوقت نفسه علاقة وثيقة مع المملكة العربية المسلمة التي تملك واحد من اضخم ملفات انتهاكات حقوق الانسان في منطقة الشرق الأوسط، وربما العالم بأسره، او يتوصل الى حل بوقف الحرب في اليمن.

بعد كشف تفاصيل هذا التقرير السري حول اغتيال خاشقجي في الأيام القليلة المقبلة، يمكن التكهن بأن العلاقات السعودية مع بايدن بعده ستكون مختلفة كليا عما كانت عليه قبله، ومن المستبعد ان يكون للأمير بن سلمان الدور الأكبر فيها، هذا اذا وجد هذا الدور واستمر أساسا.. والله اعلم.

عبد الباري عطوان