المشهد اليمني الأول

يبدو ان الساعات القادمة تمر ثقيلة وثقيلة جدا، على السعوديين وعلى رأسهم ولي العهد محمد بن سلمان، حيث من المقرر، ان يرفع البيت الأبيض السرية عن تقرير وكالة الاستخبارات الأمريكية “سي آي إيه”، حول جريمة اغتيال الصحافي جمال خاشقجي، وتورط إبن سلمان مباشرة بالجريمة، بصفته العقل المدبر لجريمة الاغتيال الفظيعة.

من الواضح ان الخبر عبارة عن رسالة واضحة الحروف الى محمد بن سلمان، مفادها ان عليه مغادرة السلطة بإرادته، وإلا فهناك الكثير في جعبة الامريكيين، للضغط عليه ليغادرها رغما عنه بعد ان يدفع اثمنا باهظة، قد تكون حياته من بينها.

سياسة الرئيس الامريكي الجديد جو بايدن ازاء ابن سلمان تختلف كثيرا، عن سياسة سلفه دونالد ترامب، الذي تستّر على التقرير ورفض إطلاع الكونغرس عليه، ووصف الحزب الديمقراطي بعض النواب الجمهوريين وهيئات حقوقية دولية مثل “أمنستي أنترناشنال” حينها تصرف ترامب بـ”التستر عن جريمة خاشقجي”التي روعت العالم بسبب بشاعتها ومكان وقوعها في تمثيلية دبلوماسية تخضع لاتفاقية فيينا حول حماية من يزور هذه التمثيليات.

تعامل بايدن مع ابن سلمان، ليس مرده انه اكثر انسانية من ترامب، او انه اكثر احترما لحقوق الانسان، بل مرده الى ان بايدن اكثر عقلانية من ترامب، فهو يرى في وجود شخص مقامر نزق مصاب بجنون العظمة مثل ابن سلمان على عرش السعودية، تهديدا لمصالح امريكا وحلفائها في السعودية والمنطقة، فلم تمر على توليه منصب ولي العهد الا ثلاث سنوات وبضعة اشهر، الا انه ادخل السعودية في اكثر من مغامرة، كلفتها سمعتها ومكانتها ودورها التقليدي في المنطقة، فهو لا يخرج من ازمة بعد، الا ويدخل في ازمة اكبر منها.

بلغ الاستهتار بإبن سلمان، بسبب حماية ترامب له، انه وبدلا من العمل على تهدئة الراي العام العالمي الذي اصيب بالهلع من فظاعة جريمة قتل خاشقجي، التي اشارت كل القرائن الى انه يقف وراء إعطاء الأوامر بتنفيذها، نراه يتحدى العالم عندما قام بمحاكمة صورية سخيفة، وأعفى عن أفراد محيطه المتورطين في الجريمة مثل سعود القحطاني، واحمد العسيري.

في حال رفع البيت الأبيض السرية عن تقرير الاستخبارات في بحر الساعات والايام القليلة القادمة، فانه سيخلق حالة خاصة قضائيا لولي العهد، حيث سيصبح المتهم الرئيسي في اغتيال خاشقجي لأنه الآمر والعقل المدبر، وسيترتب عن هذا قيام القضاء الأمريكي بفتح تحقيق جنائي ضد إبن سلمان، نظرا لحصول خاشقجي على بطاقة الإقامة في الولايات المتحدة، وهو مشمول بالحماية القضائية!!.

الخطأ الذي ارتكبه ابن سلمان، والذي سيدفع مستقبله السياسي ، ثمنا له، هو خطأ مركب، فقد اغتصب منصبه اعتمادا على ابيه رغم انه لا يملك اي مؤهلات، كما انه استخدم القسوة وبشكل فظيع ضد خصومه، واغلبهم اعمامه وابناء عمومته، واكبر منه سنا وخبرة، كما وضع كل السعودية في سلة شخص معتوه مثل ترامب حتى الساعات الاخيرة من وجوده في البيت الابيض،

وحاصر قطر واخد رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري رهينة واجبره على الاستقاله، ورفض وقف العدوان على اليمن رغم خسارته للحرب والكلفة الانسانية العالية لها، وقبل كل هذا وذاك شخصيته غير المستقرة وغير المتزنة، التي قد تضر بامريكا اكثر مما تنفعها، لذلك سيكون الكشف عن تقرير الاستخبارات المركزية الامريكية، اول مسمار يُدق في نعش مستقبل ولي العهد السعودي ابن سلمان.

المصدرالعالم
المقالة السابقةالتناوب الأمريكي البريطاني بين القُبَّعَات والجواسيس
المقالة التاليةتحرير مارب ضرورة حتمية