المشهد اليمني الأول

بعد ست سنوات من المعارك والمواجهات العنيفة دفاعًا وهجومًا بين أنصار الله والجيش اليمني ودول العدوان ومرتزقته، وبعد مسار متواصل من الضغط الجوي الاستثنائي الذي نفذه على أهداف مدنية وعسكرية، والذي لم يوفر فيه لا حجرا ولا بشرا، يبحث تحالف العدوان على اليمن اليوم جاهدًا عن مخرج من الورطة التي أدخل نفسه فيها في تلك الحرب.

وفيما يفشل حتى الآن وبمساعدة أغلب الذين دعموه في العدوان، من الخروج من مستنقع الهزيمة، هل يمكن أن تمتد هذه الحرب الى ما لا نهاية؟ وحيث لا يمكن الاستمرار في هذا الستاتيكو غير الطبيعي، كيف يمكن أن تُحسم الأمور في النهاية؟

طبعًا، ليس من باب الصدفة بتاتًا أن يصمد اليمنيون (الجيش واللجان وأنصار الله) بهذا المستوى من الثبات والتماسك، من دون خطة محكمة ومدروسة، عملوا على وضعها والالتزام بها، رغم الضغوط الضخمة التي تعرضوا لها، من كافة النواحي العسكرية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية،

وهذه الخطة التي بدأت على شكل “ردة فعل” بديهية وطبيعية، يلجأ إليها كل مكوّن يتعرض للعدوان وللاستهداف، تطورت مع الوقت ومع امتداد مسار الحرب، الى “مناورة استثنائية” طارئة، فرضتها وحددتها تطورات المعركة الميدانية والعسكرية، ووصلت لأن تكون “استراتيجية صادمة”، تقارع بها اليوم حكومةُ صنعاء وحركة “أنصار الله” المعتدي من الإقليم والداعم له من الغرب، من الند للند، وذلك على الشكل التالي:

لناحية ردة الفعل الطبيعية الأولية، دافع بداية أبناء اليمن عن أرضهم وجبهاتهم دفاع الغريزة التي يملكها كل مكون يتعرض للخطر والاعتداء، وباللحم الحي قاتلوا تحالف عدوان مدججًا بالأسلحة والقدرات العسكرية المتطورة، وحيث كان الأخير يعتبر أن حربه لن تتجاوز الأسابيع ويستسلم اليمنيون رافعين الراية مقدمين الطاعة، امتدت الحرب وتوسعت، وبدأ اليمنيون يفرضون ايقاعًا قتاليًا غير عادي، بنوه بإرادة القتال والدفاع، وبقرار ثابت بالصمود والقتال حتى الرمق الأخير، وبذخيرة من تاريخ مُشرِّف في الدفاع عن الأرض والعرض والوطن.

مع تطور العمليات الميدانية، انتقل اليمنيون من الدفاع عن الجبهات الحيوية والتي كانت أهدافًا أساسية للعدوان، مثل صنعاء والحديدة وميدي وحرض والمعابر نحو عمق صعدة والجوف، إلى التقدم نحو مواقع العدوان ومرتزقته، وبالتزامن مع هذه الحركة الهجومية التي بدأت تميز معركتهم، عملوا على خطة تطوير وتصنيع للقدرات الصاروخية والنوعية، فامتلكوا بداية ما يحتاجونه منها لدعم عملياتهم التكتية على الجبهات، واستفادوا منها في تحقيق بعض من التوازن بمواجهة الفارق الجوي الذي يمتلكه العدوان.

اليوم، أصبحت معركة الجيش واللجان الشعبية وأنصار الله في مكان آخر، مختلف بالكامل عن بداية العدوان، وأصبحوا يمتلكون المبادرة، في الداخل اليمني، أو على العمق السعودي، وذلك بعد أن امتلكوا منظومة مميزة من القدرات النوعية، من صواريخ باليستية ومجنحة ومن مسيرات فعالة، تمكنهم من التأثير على مسار المعركة والحرب بشكل واضح،

وانتقلوا من موقع المتلقي المدافع والذي كان يلاحق تخفيف الضغط عليه عسكريًا وميدانيًا، إلى موقع القادر على فرض اتجاه المعركة الإستراتيجية داخل دول العدوان، وعلى حركة وتجارة النفط العالمي وليس السعودي فقط، بعد استهدافه الناجح لأغلب المرافق النفطية الحيوية في شرق أو غرب أو شمال السعودية.

النقطة الفاصلة اليوم كما يبدو في المعركة، والتي سوف تحسم الحرب بعد أن تنتهي، هي معركة مأرب، والتي يحمل تحريرها أهمية كبرى، على كافة الأصعدة العسكرية والشعبية والاقتصادية والإستراتيجية. وفيما تحمل معركة تحرير المحافظة (المدينة والمديريات التابعة لها) لحكومة صنعاء ولأنصار الله تلك الأهمية،

تعتبر في نفس الوقت أيضًا بالنسبة لتحالف العدوان ولداعميه مسألة حياة أو موت، فهؤلاء كما يبدو يدافعون عن مأرب بشراسة منقطعة النظير، ليس فقط على الصعيد العسكري حيث ينفذون قصفًا جويًا عنيفًا على حدود مأرب وفي عمق ميدان حكومة صنعاء وأنصار الله، بل على الصعيد السياسي، اقليميًا ودوليًا، وأيضًا على صعيد تدخل الأمم المتحدة مستغلة البعد الإنساني لمنع تحرير مارب.

أمام هذا الموقف المعقد اليوم، ميدانيًا وعسكريًا وسياسيًا، وأمام موقف المجتمع الدولي المعارض لتحرير مأرب، وبالتالي لإنهاء الحرب على اليمن، لم يعد أمام أنصار الله إلا القيام بمبادرة ميدانية وعسكرية جريئة، ليست بعيدة عن قدرتهم وإمكانياتهم، حيث خاضوا وبنجاح، الكثير من العمليات اللافتة بجرأتها وحساسيتها وخطورتها، في الداخل اليمني وفي داخل أو على الحدود الشمالية مع السعودية، وهذه المبادرة تقوم على التالي:

تنفيذ عملية برية واسعة داخل العمق السعودي، في واحدة أو أكثر من محافظات جيزان أو عسير أو نجران، والسيطرة على أكثر من مدينة أو بلدة سعودية، أو على منطقة مدنية واسعة، وفرض الحل العادل والمنطقي والمناسب، لناحية فك الحصار عن اليمن ووقف العدوان وانسحاب جميع الوحدات الغريبة، الغربية أو الإقليمية، وإرغام كل الأطراف على الجلوس الى طاولة مفاوضات والعمل على ايجاد تسوية سياسية تحفظ حقوق جميع المكونات اليمنية بشكل عادل.
_____
شارل أبي نادر