المشهد اليمني الأول

رغم لهجة الاستعلاء التي ألقى بها وزير خارجية المملكة العربية السعودية ما أسماه مبادرة لوقف الحرب في اليمن ، ورغم أن حالة من الاستكبار دائما ما صاحبت أي تعامل إعلامي أو سياسي سعودي مع جماعة أنصار الله اليمنية تحديدا واليمنيين عموما، إلا أنني توقعت ولو بنسبة ٥٠٪ أن صنعاء ستقبلها بشروط على الأقل لتثبيت مواقعها العسكرية في جبهتي تعز ومارب وكذلك الساحل، وأنها قد لا ترفضها في ظل الصراخ السعودي بعد كل صاروخ يستهدف هدفا استراتيجيا داخل أراضي المملكة .

الذي دعم ظنوني أن المواقف الأمريكية وكذلك الأوروبية تسعى لإنهاء هذه المهزلة ولو بالتصريحات .

اعتقدت أن أهل الحكمة والإيمان سيتجاوزون حالة الاستعلاء والاستكبار التي ألقى بها السعودي بيانه ، على الأقل لفتح المطار والميناء والبنك المركزي ولو جزئيا، واعتبار القبول بها استراحة محارب ، ولكن ذلك لم يحدث..

لم أكن أعلم أن المبادرة أصابت كرامة اليمني في مقتل عندما ساومته سياسيا على معاناته الإنسانية بسبب الحصار ، وإن كنت على يقين بأن إيران الدولة والنظام لا ترفض المبادرة السعودية بل ربما شجعت عليها ، على العكس من منشور سفيرها، علي ايرلو في صنعاء، إذ أنني على يقين بأن أزمة اليمن تقلق إيران بنفس الدرجة التي تقلق بها آخرين ،

وأنها- أي الأزمة- هي التي تعطل إعلان تفاهم أمريكي إيراني حول الملف النووي، كما أنني ممن يعتقدون أن صنعاء تجاوزت سقف التوازن الذي رسمته طهران لنفسها في علاقتها بواشنطن، على الرغم من أن كثيرا من الأحداث لا يؤكد هذا الاعتقاد ، إلا أنه وفي كل ما يتعلق بالشأن اليمني الداخلي ومنذ دخول جماعة أنصار الله إلى صنعاء وتجاوزها إلى عدن وحتى حصار مارب ، فإن القرار يمني وربما خالف رؤية طهران ، بمعنى أنه في الشأن الداخلي فإن القرار يمني، أما إقليميا فصنعاء نفسها لا تنكر التنسيق مع بقية محور المقاومة ، بل هي التي أعلنته وتعلنه .

أعود إلى وزير الخارجية السعودي، وسأفترض أنه يقدم مبادرة حقيقية يريد من اليمنيين قبولها ، فما قولك إن هو قال .. «كبادرة حسن نية سنوقف عملياتنا العسكرية ونعيد مطار صنعاء وميناء الحديدة للعمل ولو جزئيا»، بالإضافة لما ذكره عن البنك المركزي ، ونتوقع من صنعاء وقف عملياتها العسكرية ويتم الاتفاق على مفاوضات مباشرة ومفاوضات أخرى بين مختلف المكونات اليمنية برعاية الأمم المتحدة.

لاحظ أن المبادرة هي نفس الكلمات ونفس البنود، ونفس العرض ولكن بلغة دبلوماسية تحترم الآخر بل تحرجه ، وتؤكد الرغبة الحقيقية في وقف هذه المهزلة التي دمرت كل من ساهم فيها ولو من بعيد ، إذ خسرت دول وأنظمة ومنظمات إقليمية ودولية سمعتها السياسية بمواقفها تجاه تدمير بلد عربي وقتل شعبه وتجويعه .

في الشهور الأخيرة كان الرئيس الأمريكي السابق ترامب على عجلة من أمره في إغلاق الملف اليمني ، وبينما تفاءل البعض بأن بايدن سيغلقه بالفعل ، إلا أنه ثبت يقينا بأنه يريد أن يستكمل ما بدأه ترامب ولقي رفضا يمنيا حاسما ، أمريكا أرادت وتريد نموذجاً لحزب الله في خاصرة السعودية ، وصنعاء تريد دولة يمنية حرة مستقلة ، لا وجود للسعودي على أرضها ، ولا سيطرة للإماراتيين على سواحلها وجزرها ، أمريكا والسعودية والإمارات يريدون سياسة علي صالح ورؤوس الثعابين والأقاليم الستة ، والأنصار يريدون دولة موحدة وكرامة اليمن وقراره .

ثم أما بعد:

رغم عدم انقطاع حبال الأمل الأمريكي الخليجي في بدء جولة أخرى من الوعود العلنية والسرية، إلا أن سيد الأنصار وقائد ثورة اليمن قطع كل قول بخطاب هادئ رزين وحاسم ، فدشن الدخول في العام السابع للحرب، ودعا اليمنيين للخروج في مظاهرات الجمعة إيذانا ببدء عام جديد من الصمود.

____

إبراهيم سنجاب

المقالة السابقة“درة الاقتصاد السعودي” في مرمى النيران اليمنية والكرة في ملعب “البقرة الحلوب”
المقالة التاليةقبائل خولان تؤكد جهوزيتها لدعم معركة تحرير مأرب وتدعم المجاهدين بقافلة مالية كبرى